ابن قيم الجوزية

439

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

مركّب من تزيين الشيطان وجهل النفس ، فإنه يزين لها السيئات ، ويريها أنها في صور المنافع واللذات والطيبات ، ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها ، فتولّد من بين هذا التزيين وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة ، ثم يمدّها بأنواع التزيين ، فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما ، يقترن به الفعل ، كما زين للأبوين الأكل من الشجرة ، وأغفلهما عن مطالعة مضرّة المعصية . فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما قال تعالى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأنعام ] وقال : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ( 8 ) [ فاطر ] وقال في تزيين الخير : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ( 7 ) [ الحجرات ] وقال في تزيين النوعين : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) [ الأنعام ] وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة والمؤمنين ، وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ( 137 ) [ الأنعام ] . وحقيقة الأمر أنّ التزيين إنما يغترّ به الجاهل ، لأنه يلبّس له الباطل والضارّ المؤذي صورة الحقّ والنافع الملائم ، فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم . ولهذا قال الصحابة : كلّ من عصى اللّه فهو جاهل ، وقال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ( 17 ) [ النساء ] وقال : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) [ الأنعام ] . قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ( 17 ) [ النساء ] فقالوا : كل من عصى اللّه فهو جاهل ، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب .