ابن قيم الجوزية
440
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وقال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن كلّ ما عصي اللّه به فهو جهالة ، عمدا كان أولم يكن ، وكلّ من عصى اللّه فهو جاهل . وقال مجاهد : من شيخ أو شاب ، فهو بجهالة . وقال : من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته ، وقال هو وعطاء : الجهالة : العمد . وقال مجاهد : من عمل سوء خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه . ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ، ثم قال : وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا . وروي عن مجاهد والضحاك : ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا حراما ، ولكن من جهالته حين دخل فيه . وقال عكرمة : الدماء كلها جهالة . ومما يبين ذلك قوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ( 28 ) [ فاطر ] وكلّ من خشيه فأطاعه بفعل أوامره ، وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 9 ) [ الزمر ] . وقال رجل للشعبيّ : أيها العالم ! فقال : لسنا بعلماء ، إنما العالم من يخشى اللّه . وقال ابن مسعود : وكفى بخشية اللّه علما ، وبالاغترار باللّه جهلا . وقوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ( 28 ) [ فاطر ] يقتضي الحصر من الطرفين ، أن لا يخشاه إلا العلماء ، ولا يكون عالما إلّا من يخشاه ، فلا يخشاه إلا عالم ، وما من عالم إلا وهو يخشاه ، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية ، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم ، لكن وقع الغلط في مسمّى العلم اللازم للخشية ، حيث يظن أنه يحصل بدونها ، وهذا ممتنع ، فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدوّ من هو عالم بها