ابن قيم الجوزية

429

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] هل هي لرسول اللّه ، أو هي لكلّ واحد من الآدميين . فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه : الحسنة ما فتح اللّه عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح ، والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه ، وكسرت رباعيته . وقالت طائفة : بل المراد جنس ابن آدم كقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) [ الانفطار ] . روى سعيد عن قتادة : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] قال : عقوبة يا ابن آدم بذنبك ، ورجحت طائفة القول الأول . واحتجوا بقوله : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ( 79 ) [ النساء ] قالوا : وأيضا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه ، وإنما تقدم ذكر الطائفة ، قالوا ما حكاه اللّه عنهم ، فلو كانوا هم المرادين ، لقال : ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق الالتفات ، قالوا : وهذا من باب السبب ، لأنه إذا كان سيد ولد آدم ، وهكذا حكمه ، فكيف بغيره . ورجحت طائفة القول الآخر ، واحتجت بأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معصوم ، لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة ، قالوا : والخطاب وإن كان له في الصورة ، فالمراد به الأمة كقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ( 1 ) [ الطلاق ] قالوا : ولما كان أول الآية خطابا له ، أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد ، فأفرده في الثاني ، والمراد به الجميع ، والمعنى : وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم ، فالأول له ، والثاني لأمته ، ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( 30 ) [ الشورى ] وقال : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ