ابن قيم الجوزية
424
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
تعالى عن قوم فرعون : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ( 131 ) [ الأعراف ] أي : إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم ، قالوا : نحن أهل ذلك ومستحقّوه ، وإن أصابهم ما يسوؤهم ، قالوا : هذا بسبب ما جاء به موسى . وقال أهل القرية للمرسلين : قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ( 18 ) [ يس ] . وقال قوم صالح له عليه الصلاة والسلام : اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ( 47 ) [ النمل ] . وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب : هذا منك ، لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو ، وهذا أيضا منك ، أي : بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا ، والدخول في طاعتك . وهذه حال كلّ من جعل طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم سببا لشرّ أصابه من السماء ، أو من الأرض ، وهؤلاء كثير في الناس ، وهم الأقلون عند اللّه تعالى قدرا ، الأرذلون عنده ، ومعلوم أنهم لم يقولوا : هذه من عندك ، بمعنى : أحدثتها ، ومن فهم هذا ، تبين له أن قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] ولا يناقض قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ( 78 ) [ النساء ] . بل هذا تحقيق له ، فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده ، فهو الخالق لها ، المقدر لها ، المبتلي خلقه بها ، فهي من عنده ، ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره ، فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وبعضها إلى اللّه تعالى ؟ ! ومعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يحدثها ، فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها ، إما في الجملة ، كحال أهل التّطيّر ، وإما في المواقعة المعينة ، كحال اللائمين له في الجهاد ، فأبطل اللّه سبحانه ذلك الوهم الكاذب والظنّ الباطل ، وبيّن أنّ ما جاء به لا يوجب الشر البتة ، بل الخير كله فيما جاء صلى اللّه عليه وسلم به ، والشرّ بسبب أعمالهم وذنوبهم ، كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية : « طائِرُكُمْ مَعَكُمْ » . ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه : « طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ » ، وقوله تعالى عن قوم فرعون : وَإِنْ