ابن قيم الجوزية
425
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ( 131 ) [ الأعراف ] بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية ، وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ، ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند اللّه عز وجل . فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا ، فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد ، فهو على جهة السبب والموجب ، أي : الشرّ والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومعكم ، فإنّ أسبابه قائمة بكم ، كما تقول : شرّك منك ، وشؤمك فيك . يراد به العمل ، وطائرك معك ، وحيث جعل ذلك كله من عنده ، فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة ، فالطائر يراد به العمل وجزاءه ، فالمضاف إلى العبد العمل ، والمضاف إلى الرب الجزاء ، فطائركم معكم : طائر العمل ، وطائركم عند اللّه : الجزاء . فما جاءت به الرسل ليس سببا لشيء من المصائب ، ولا تكون طاعة اللّه ورسوله سببا لمصيبة قط ، بل طاعة اللّه ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة ، ولكن قد يصيب المؤمنين باللّه ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة اللّه ورسوله ، كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين ، وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ، ليس هو بسبب نفس إيمانهم ، ولا هو موجبه ، وإنما امتحنوا به ، ليخلص ما فيهم من الشر ، فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ، ليخلص من غشه . والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها ، فالامتحان يمحّص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه ، كما قال تعالى : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) [ آل عمران ] وقال : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ( 154 ) [ آل عمران ] فطاعة اللّه ورسوله لا تجلب إلا خيرا ، ومعصيته لا تجلب إلا شرا . ولهذا قال سبحانه : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) [ النساء ] فإنهم لو فقهوا الحديث ، لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله اللّه على