ابن قيم الجوزية

276

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل وأما التزيين فقال تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ( 108 ) [ الأنعام ] وقال أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( 8 ) [ فاطر ] وقال وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأنعام ] فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة ، وحذف فاعله تارة ، ونسبه إلى سببه ومن أجراه على يده تارة ، وهذا التزيين [ منه ] « 1 » سبحانه حسن ، إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ، ليتميز المطيع منهم من العاصي ، والمؤمن من الكافر ، كما قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) [ الكهف ] وهو من الشيطان قبيح ، وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته ، وإيثار سيّئ العمل على حسنه ، فإنه لا بدّ أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن ، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه ، زينه سبحانه له ، وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا . وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه اللّه تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا ، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه ، فربما رآه حسنا عقوبة له ، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه ، وهو حجّة اللّه عليه ، فإذا تمادى في غيه وظلمه ، ذهب ذلك النور ، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ، ومع هذا فحجة اللّه قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف

--> ( 1 ) في الأصل : « وهذا التزيين سبحانه » ولا يستقيم .