ابن قيم الجوزية

277

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الأول ، فتزيين الرب تعالى عدل ، وعقوبته حكمة ، وتزيين الشيطان إغواء وظلم ، وهو المسبب الخارج عن العبد ، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه ، والرب سبحانه خالق الجميع ، والجميع واقع بمشيئته وقدرته ، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين . والمعصوم من عصمه اللّه ، والمخذول من خذله اللّه ، ألا له الخلق والأمر ، تبارك اللّه رب العالمين . فصل وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ( 41 ) [ المائدة ] وقال وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ( 13 ) [ السجدة ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ( 99 ) [ يونس ] وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده ، كما أن مشيئته تستلزم وجوده ، فما شاء اللّه وجب وجوده ، وما لم يشأ امتنع وجوده ، وقد أخبر سبحانه أنّ العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته ، ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته ، فقال : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( 30 ) [ الإنسان ] وقال : وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( 56 ) [ المدثر ] فإن قيل : فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة اللّه له أن يفعله ؟ قيل : إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل ، وصحة أعضائه ، ووجود قواه ، وتمكينه من أسباب الفعل ، وتهيئة طريق فعله ، وفتح الطريق له ، فنعم ، هو مقدور بهذا الاعتبار ، وإن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل ، وهي الموجبة له التي إذا وجدت ، لم يتخلف عنها الفعل ، فليس بمقدور بهذا الاعتبار ؛ وتقرير ذلك أن القدرة نوعان :