ابن قيم الجوزية
230
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
سبب من العبد ، يقتضي ذلك ، بل أمره وحال مع أمره بينه وبين الهدى ، فلم ييسر إليه سبيلا ، ولا أعطاه عليه قدرة ، ولا مكّنه منه بوجه ، وأراد بعضهم بل أحب له الضلال والكفر والمعاصي ، ورضيه منه . فهدى أهل السنة والحديث وأتباع الرسول لما اختلف فيه هاتان الطائفتان من الحق بإذنه ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . قالت القدرية : لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان ، وحال بينهم وبينه ، إذ يكون لهم الحجة على اللّه ، ويقولون : كيف يأمرنا بأمر ، ثم يحول بيننا وبينه ، ويعاقبنا عليه ، وقد منعنا من فعله ؟ وكيف يكلّفنا بأمر ، لا قدرة لنا عليه ، وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ، ثم سدّ عليه الباب سدا محكما ، لا يمكنه الدخول معه البتة ، ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول ؟ ! وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان ، ثم قيّده بقيد ، لا يمكنه معه نقل قدمه ، ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي ؟ ! . وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج ، فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته ؟ ! قالوا : وقد كذّب اللّه سبحانه الذين قالوا : قلوبنا غلف ، وفي أكنّة ، وأنها قد طبع عليها ، وذمهم على هذا القول ، فكيف ينسب إليه تعالى ؟ ! ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله ، حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالإلف والطبيعة والسجيّة ، أشبه حالهم حال من منع عن الشيء ، وصدّ عنه ، وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم ، فلا يخلص إليها الهدى ، وإنما أضاف اللّه تعالى ذلك إليه ، لأن هذه الصفة قد صارت في تمكّنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد . قالوا : ولهذا قال تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطففين ] وقال : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ( 155 ) [ النساء ] وقال : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 5 ) [ الصف ]