ابن قيم الجوزية
231
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وقال : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) [ التوبة ] . ولعمر اللّه إنّ الذي قاله هؤلاء ، حقّه أكثر من باطله ، وصحيحه أكثر من سقيمه ، ولكن لم يوفوه حقه ، وعظّموا اللّه من جهة ، وأخلّوا بتعظيمه من جهة ، فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة ، وأخلّوا بتعظيمه من جهة التوحيد وكمال القدرة ونفوذ المشيئة ، والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران والطبع والختم من وجه ، وبطلانه من وجه . وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق ، بعد أن عرفوه ، كما قال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) [ الصف ] وقال : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطففين ] وقال : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام ] وقال : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 127 ) [ التوبة ] . وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق اللّه سبحانه ، ولكنه عقوبة على كفرهم وإعراضهم السابق ، فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده ، ويثيب على الهدى بهدى بعده ، كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ، ويثيب على الحسنة بحسنة مثلها ، وقال تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) [ محمد ] وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 71 ) [ الأحزاب ] وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ ( 29 ) [ الأنفال ] . ومن الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق والباطل ، وقال في ضد ذلك : * فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ( 88 ) [ النساء ] وقال :