ابن قيم الجوزية
207
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام ، وهو كاللّبإ للطفل ، ثم يعلمان احتياج الحوصلة إلى دباغ ، فيزقانه من أصل الحيطان ، من شيء بين الملح والتراب ، تندبغ به الحوصلة ، فإذا اندبغت ، زقّاه الحبّ ، فإذا علما أنه أطاق اللقط ، منعاه الزّقّ على التدريج ، فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ، ضرباه ، ومن علمهما إذا أرادا السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء ، فتتطارد له الأنثى قليلا ، لتذيقه حلاوة المواصلة ، ثم تطيعه في نفسها ، ثم تمتنع بعض التمنّع ليشتدّ طلبه وحبه ، ثم تتهادى وتتكسل ، وتريه معاطفها ، وتعرض محاسنها ، ثم يحدث بينهما من التغزل والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان . ومن علم المرسلة منها ، إذا سافرت ليلا ، أن تستدلّ ببطون الأودية ومجاري المياه والجبال ومهابّ الريح ومطلع الشمس ومغربها ، فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت ، فإذا عرفت الطريق مرت كالريح . ومن علم اللبلب ، وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ، ويجمع نفسه ، فيري الذبابة أنه لاه عنها ، ثم يثب عليها وثوب الفهد . ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة ، وتجعل في أعلاها خيطا ، ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة ، تدلّت إليها فاصطادتها . ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسه إلا مستدبرا ، ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه . ومن علم السنور ، إذا رأى فأرة في السقف ، أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ، ثم يشير إليها بالرجوع ، وإنما يريد أن يدهشها ، فتزلق فتسقط . ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى