ابن قيم الجوزية
208
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
السيل ، ليسلم من مدقّ الحافر ومجرى الماء ، ويعمقه ، ثم يتخذ في زواياه أبوابا عديدة ، ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا ، فإذا أحسّ بالشر فتح بعضها بأيسر شيء وخرج منه ، ولما كان كثير النسيان ، لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت ، إذا ضلّ عنه . ومن علم الفهد ، إذا سمن ، أن يتوارى لثقل الحركة عليه ، حتى يذهب ذلك السمن ، ثم يظهر . ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى ، لأنّ سلاحه قد ذهب ، فيسمن لذلك ، فإذا كمل نبات قرنه ، تعرض للشمس والريح ، وأكثر من الحركة ، ليشتدّ لحمه ، ويزول السمن المانع له من العدو . وهذا باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) [ الأنعام ] . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لولا أنّ الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها » « 1 » . وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله ، وهو أن الكلاب أمة ، لا يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض ، فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها . والثاني : أن يكون مثل قوله : « أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من
--> ( 1 ) صحيح رواه أبو داود ( 2845 ) وغيره عن عبد اللّه بن مغفل .