ابن قيم الجوزية
197
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الرخو ، ويزقّانه الفرخ ، ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ، ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج ، بحسب قوة الفرخ ، وهو يطلب ذلك منهما . حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط ، منعاه بعض المنع ، ليحتاج إلى اللقط ويعتاده ، وإذا علما أن رئته قد قويت ونمت ، وأنهما إن فطماه فطما قوي على اللقط ، وتبلّغ لنفسه ، ضرباه إذا سألهما الزّق ومنعاه ، ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما ، وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ، ثم يبتدئان العمل ابتداء على ذلك النظام . والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه ، فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها ، وفيه أخرى لا ترد يد لامس ، وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث ، وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب ، وأخرى لها ذكر معروف بها ، وهي تمكّن ذكرا آخر منها ، إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها ، وأخرى تمكّن من يغنيها عن زوجها ، وهو يراهما ويشاهدهما ، ولا تبالي بحضوره ، وأخرى تعمط « 1 » الذكر وتدعوه إلى نفسها ، وأنثى تركب أنثى وتساحقها ، وذكر يركب ذكرا ويعسفه ، وكلّ حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم ، توجد في الحمام وفيها من لا تبيض ، وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها . وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان ، أسرعت هاربة ، ولا تواتي غير زوجها البتة ، بمنزلة المرأة الحرة . ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها ، ثم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه ، وإن كانوا جميعا في برج واحد ، ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر ، فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره ، مالت إليه ، وأعرضت عن المغلوب . وفي الحديث أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأى حمامة تتبع حمامة ، فقال : شيطان
--> ( 1 ) هناك تصحيف ، ولم نجد لفظا بديلا دالا .