ابن قيم الجوزية
198
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
يتبع شيطانة « 1 » . ومنها ما يزق فراخه خاصة ، ومنها ما فيه شفقة ورحمة بالغة ، يزق فراخه وغيرها . ومن عجيب هداها أنها إذا حملت رسائل ، سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس ، لئلا يعرض لها من يصدّها ، ولا يرد مياههم ، بل يرد المياه التي لا يردها الناس . ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء ، عرف أي صنف يريده ، وأي نوع من الأنواع ضده ، فيخالف فعله ليسلم منه . ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر ، فيعرف من يقصده ومن لا يقصده ، وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السّمّ الناقع ، وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب ، والحمار عند مشاهدة الأسد . ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ ، فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى ، وجلب القوت والزق على الذكر ، فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم ، والأم هي التي تحبل وتلد وترضع . ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ ، أنّ رجلا كان له زوج حمام مقصوص ، وزوج طيار ، وللطيار فرخان ، قال : ففتحت لهما في أعلى الغرقة كوّة للدخول والخروج وزقّ فراخهما ، قال : فحبسني السلطان فجأة ، فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ، ولم أشك في موتهما ، لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة ، وليس عندهما ما يأكلان ويشربان ، قال : فلما خلى سبيلي ، لم يكن لي همّ غيرهما ، ففتحت البيت ، فوجدت الفراخ قد كبرت ، ووجدت المقصوص على أحسن حال ، فعجبت ، فلم ألبث أن جاء الزوج الطيار ، فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما ، يستطعمانهما كما
--> ( 1 ) صحيح . رواه أحمد ( 2 / 345 ) ، وأبو داود ( 4940 ) ، وابن ماجة ( 3765 ) عن أبي هريرة .