ابن قيم الجوزية

163

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( 17 ) [ الأنفال ] وجعلوا ذلك من أدلتهم على القدرية ، ولم يفهموا مراد الآية ، وليست من هذا الباب ، فإن هذا خطاب لهم في وقعة بدر ، حيث أنزل اللّه سبحانه ملائكته ، فقتلوا أعداءه ، فلم يفرد المسلمون بقتلهم ، بل قتلتهم الملائكة . وأما رميه صلى اللّه عليه وسلم فمقدوره كان هو الحذف والإلقاء ، وأما إيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع البعد ، وإيصال ذلك إلى وجوه جميعهم ، فلم يكن من فعله ولكنه فعل اللّه وحده ، فالرمي يراد به الحذف والإيصال ، فأثبت له الحذف بقوله : إذ رميت ، ونفى عنه الإيصال بقوله : وما رميت . فصل ومن ذلك قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) [ النجم ] والضحك والبكاء فعلان اختياريان ، فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة ، والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة ، وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجب ، ولا منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره ، فإن إضحاك الأرض بالنبات وإبكاء السماء بالمطر ، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له ، لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل