ابن قيم الجوزية

162

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ( 13 ) [ المائدة ] فأخبر أنه هو الذي قسّى قلوبهم حتى صارت قاسية ، فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله ، وهو جعلها قاسية ، وذلك إثر معاصيهم ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به ، فالآية مبطلة لقول القدرية والجبرية . فصل ومن ذلك قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) [ الدخان ] وهم إنما خرجوا باختيارهم ، وقد أخبر أنه هو الذي أخرجهم ، فالإخراج فعله حقيقة ، والخروج فعلهم حقيقة ، ولولا إخراجه لما خرجوا ، وهذا بخلاف قوله : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) [ نوح ] وقوله : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ( 2 ) [ الحشر ] وقوله : أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ( 78 ) [ النحل ] فإنّ هذا إخراج لا صنع لهم فيه ، فإنه بغير اختيارهم وإرادتهم ، وأما قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ( 5 ) [ الأنفال ] فيحتمل أن يكون إخراجا بقدره ومشيئته ، فيكون من الأول ، ويحتمل أن يكون إخراجا يوجبه بأمره ، فلا يكون من هذا ، فيكون الإخراج في كتاب اللّه ثلاثة أنواع . أحدها : إخراج الخارج باختياره ومشيئته . والثاني : إخراجه قهرا وكرها . والثالث : إخراجه أمرا وشرعا .