القاضي سعيد القمي
71
شرح توحيد الصدوق
تلك القوّة التي للنفس على الإبصار من المحلّ الذي هو العين ، وهكذا الحكم في سائر الإدراكات من السمع والذوق وغيرهما . ثمّ اعلم انّ هذه الأمثلة وإن كانت لبيان الآلة والمحل المنفيّين بحسب الظاهر ، لكن عند التدقيق بيان لبعض أقسام الفاعل ، فانّ هذه القوى في الحقيقة فواعل في عالم الطبع ، ولا ينافي ذلك كون النفس هي المدرك لا غير ، إذ النفس في هذه المرتبة كأنّها صارت قوة منطبعة على ما تعرّفت مرارا . وبالجملة ، الفاعل : إمّا أن يكون فعله بالمباشرة ، أو لا على هذه الطريقة ، فالنفس بالنسبة إلى المعرفة والتميز نظيرة للفاعل المجرّد الذي فعله ليس بالمباشرة ؛ وأمّا الفاعل بالمباشرة : فإمّا بوقوعه على أثره وذلك كالإبصار وسيجيء تحقيقه إن شاء اللّه ، وإمّا بوقوع الأثر عليه : فإمّا بمحض الملاقاة وذلك كالسّماع ، أو بالنفوذ وذلك كالذوق ، وإمّا بخروج الأثر منه : فإمّا خروجا دفعيّا وذلك كالنّار من الحجر ، أو على التدريج كالتكلّم من اللّسان . وإذا بطل أن يكون للّه جلّ مجده علّة فاعليّة بأقسامها يبطل أن يكون له صورة أو مادة وإن كان بطلان الأخيرة قد سبق بل الأولى ، ويبطل أيضا أن يكون له غاية أو هو غاية ، لأنّ ذلك كلّه انّما يستند إلى الفاعل على ما تقرّر « 1 » في مقرّه من انتهاء جميع العلل إلى الفاعل . تبصرة [ أيضا في الإبصار ] اعلم انّ الأمر في كون الإبصار بالانطباع ، أو بخروج الشعاع ليس كما يزعمه المتهوّسة من أتباع المشّائين والمقلّدة من أشياع الرياضيّين ، فانّ ذلك باطل بما أبطل كلّ صاحبه ، وبوجوه أخر لست أجد « 2 » هاهنا مقاما يناسبه . وعندي انّ للأسلاف في هذا المنهل مشربا رحيقا ولهؤلاء الأشراف في ذلك الذواق مذاقا بالتصديق
--> ( 1 ) . تقرّر : يقرّر ب . ( 2 ) . أجد : آخذ د .