القاضي سعيد القمي
83
شرح توحيد الصدوق
الخلق للعبادة ، انّه خلقهم لإفاضة الخيرات ورشح الكمالات في جميع عوالم الوجود وكافّة أطوار الشهود ومن جملتها مثوبات الآخرة بل هي أعظم المثوبات وأجلّ الخيرات . ولمّا كان حصول الاستعداد لإفاضة تلك الخيرات منوطا بالطّاعات والعبادات واستكمال قوّتي العلم والعمل وتصفية الظاهر والباطن من الخلل والزّلل ، أقيم السّبب مقام المسبّب فقيل : خلقهم للعبادة وإنّما خلقهم ليجزيهم أحسن ما عملوا . وأمّا على الثاني ، وهو كون الغاية نفس الذّات ، فمعنى الكلام ، انّه سبحانه لمّا كان هو الفاعل والغاية فهو الأوّل والآخر بهذا المعنى أيضا ؛ فغاية فعله هو ظهور كمالاته حسبما اقتضته صفاته . وهذا الظهور هو المعبّر عنه ب « المعروفيّة » « 1 » كما في الحديث القدسيّ : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف » « 2 » أي أظهر نوري على سماواتي « 3 » وأرضي وأعرض آلائي على أوليائي . و « المعرفة » إنّما هي سبب باعث على الطاعة كما أشير إليه في الخبر في معنى قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 4 » أي « ليعرفون » « 5 » ؛ فأقيم المسبّب مقام السّبب بعكس الوجه الأوّل فقيل : خلقهم للعبادة وإنّما خلقهم لظهور نوره وشروق جماله ؛ فهو سبحانه من حيث الخفاء الإجمالي فاعل ومن حيث الظهور التفصيلي المعبّر عنه ب « المعرفة » غاية وهو « الأوّل » بالإضافة إلى الوجود إذ صدر منه الكلّ ، وله الكلّ ، وهو « الآخر » بالنظر إلى سير السّالكين إليه إذ هو غاية الغايات ؛ فالغاية مطلقا لوجود العالم إنّما هو اللّه
--> ( 1 ) . بالمعروفية : بالمعرفة م د . ( 2 ) . مرّ سابقا في شرح الحديث الرابع عشر من الباب الأوّل ، ص 40 . ( 3 ) . على سماواتي : في سماواتي د . ( 4 ) . الذاريات : 56 . ( 5 ) . التفسير الكبير للفخر الرازي ، ج 28 ، ص 234 .