أحمد بن علي الرازي

90

شرح بدء الأمالي

لأن ذلك من أمارات الحدث ، وهو عالم بجميع السر والعلانية كلياتها وجزئياتها ، لا يعذب عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، تفرد بعلم الغيوب ؛ فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون جل عن السهو والنسيان والخطأ والطغيان ، قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [ النحل : 19 ] . وقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 73 ] . لأنه لو لم يكن عالما لكان موصوفا بضده وهو الجهل ، وذلك نقص تعالى الله عن ذلك فمن أنكر بشيء من خلقه أو من الرزق فقال : لا أدرى من خالق هذا ؟ أو من رازق هذا ؟ فقد كفر . ومقدور الله تعالى لا نهاية له ، ففي قدرته لطف لو فعل ذلك بالكفار كلهم لآمنوا ، ولما لم يفعل [ 45 ] لم يؤمنوا ، وكل أحد يأكل ويستوفى رزق نفسه ، ولا يتصور استئثاره رزق غيره . * * * الأول : فصل القدر سر الله وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ، ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان ، وسيل الحرمان ، ودرجة الطغيان ، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة ؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن قرابه فقال : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . ومن سأل لم فعل « 1 » ؟ فقد رد حكم كتاب الله تعالى ، ومن رد حكم كتاب الله تعالى

--> ( 1 ) قول المؤلف : « ومن سأل لم فعل ؟ فقد رد حكم كتاب الله تعالى ومن رد حكم كتاب الله تعالى كان من الكافرين » . قول صحيح عام لا يحمل إلا على الأنواع لا الأعيان ، والخلط بين الأنواع والأعيان شبهة كثير من العوام ، وأغلب المكفرة . واعلم أن كل معلوم من الدين بالضرورة منكره كافر لا شك في ذلك ، ولا فرق في ذلك بين النوع والعين ، إلا أن دائرة الأحكام الشرعية والمعرفة بها تختلف باختلاف الأزمنة ، والأمكنة ، والأشخاص ، بل واختلاف الناس في كون الفعل المحكوم به قطعي أم ظني فلا يقال فيما اختلف فيه لا يقبل العذر بالجهل ؛ لأن الفعل خرج عند فاعله عن كونه معلوما من الدين بالضرورة لعدم علمه بدلالته القطعية فلا يكون كافرا بذلك . ويختلف أيضا العلم بالأحكام من مكان عن آخر ، وفي زمن دون زمن فقد يشيع في مكان أو -