أحمد بن علي الرازي
89
شرح بدء الأمالي
والقول : لا له [ علم ] بنا ولا قدرة له علينا لشنيع محال ، ومن أنكر الحياة منه فهو معتزل وفلاسفة ، [ 43 ] ومن وصف الآلة والجوارح منه فهو ملاحدة . واعلم أنه مدبر الأمور ، وعليم بذات الصدور ، حق ذاته بلا كيفية ، فرد واحد بلا صورة ، يبصر جميع الأكوان والألوان ، من غير عين وأجفان ، ويعلم صنوف اللغات من غير قلب وجنان ، ولا يغيب عن بصره مرأى وإن دق في العيان ، يسمع أنواع الأصوات من غير أصمخة وآذان ، لا يغيب عن سمعه وإن خفى في البيان ، فالسمع والبصر له صفتان فإثباتهما مدح وكمال ، ونفيهما نقص وضلال . حق عالم ، سميع بصير ، مدبر متكلم ، خالق رازق ، في الأزل والحياة ، والعلم والقدرة ، والسمع والبصر ، والإرادة والكلام ، والخلق والرزق ، وهو التكوين صفاته ، وصفاته قائمة بذاته . والدليل على أنه قادر له قدرة ، وهو على كل شيء قدير وعالم له علم أنزله بعلمه : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . وخالق الأخلاق ، ومدبر كل شيء ومقدر الأرزاق : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . قادر على جميع خلقه ، وعلى الأمور كلها ، قاهر جبار قوى ، قدرته كاملة وقوته متينة دلالته : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] . وقوله تعالى : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] . ولا يعتريه عجز ولا قصور ، ولا يخرج [ 44 ] عن قدرته مقدور ، وليس في السماوات العلى ، ولا في الأرضين السفلى قادر غيره ولا حاكم سواه ؛ لأن حصول الأفعال للحكمة لا يتصور وجودها من قاهر قادر « 1 » ، ويستحيل وجودها من عاجز . وعلم البارئ واحد وكذا قدرته وسمعه وبصره وحياته وكلامه ؛ لأن إثبات الصفة الواحدة لا بدّ منها ، وما زاد عليه فالقول متعارض ، وعلمه ليس بكسبى ولا ضروري « 2 » ؛
--> ( 1 ) هذه العبارة أثبتناها كما في الأصل ، وهي غير مستقيمة بل يختل بها المعنى ، والصواب أن نقول [ لا يتصور وجودها إلا من قاهر قادر ] . والله أعلم . ( 2 ) قوله : « وعلمه ليس بكسبى ولا ضروري » سبق تعريف العلم الضروري ، والعلم المكتسب تعالى الله عن هذا التعريف الّذي لا يليق إلا بالمخلوقات وعلمه سبحانه ليس كمثله شيء .