أحمد بن علي الرازي
80
شرح بدء الأمالي
وبزلة الأنبياء والمرسلين ما نقص من إيمانهم . ولما أوجب الله تعالى على موسى ومحمد وأمتهما آناء الليل وأطراف النهار خمسين صلاة ، والصوم ستة أشهر وسألا ربهما على قدر طاقة أمتهما ، فرد الله تعالى من خمسين إلى خمسة ، ومن صوم ستة أشهر إلى شهر « 1 » فهل نقص من إيمانهما بهذا النقصان ؟ بل ما نقص وقد ظهرت الدلائل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يجوز الكلام بالزيادة والنقصان في الإيمان ولكن يجوز في العقول ؛ لأن عقول الأنبياء والمؤمنين والكفار ليسوا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في « كتاب الصلاة » : باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء : ( 1 / 574 - 575 ) حديث رقم ( 349 ) من حديث أنس رضي الله عنه . ولقد ثبت في السنة أن الصلاة كانت كما قال المؤلف وأما الصيام فلا ندري فيه حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلا كلامه صلّى اللّه عليه وسلم الّذي أخرجه النسائي : ( 4 / 209 ) وذكره ابن حجر : ( 4 / 221 ) وهذا عن صيام داود عليه السّلام ومجموع صيام داود في العام ستة أشهر ، ولعل هذا ما ذهب إليه المصنف ولقد ذكر ابن كثير في « تاريخه » : ( 2 / 16 ) عن صيام الأمم والأنبياء السابقين فقال : روى الحافظ في « تاريخه » في ترجمة صدقة الدمشقي من طريق الفرج بن فضالة الحمصي عن أبي هريرة الحمصي عن صدقة الدمشقي : « أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام ؟ فقال : لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود ؛ فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما » . وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكون فيها وكانت له ركعة من الليل يبكى فيها نفسه ويبكى ببكائه كل شيء ويصرف بصوته الهموم والمحموم » . وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان : « فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام » . وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم : « فإنه كان يصوم الدهر ، ويأكل الشعير ، ويلبس الشعر ، يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ، ليس له ولد يموت ولا ببيت يخرب وكان أينما أدركه الليل صفن - أي صف قدميه - بين قدميه وقام يصلى حتى يصبح ، وكان راميا لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضى لهم حوائجهم . وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران : فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين » . وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمى محمد صلّى اللّه عليه وسلم : فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول : « إن ذلك صوم الدهر » . وقد روى الإمام أحمد عن أبي النصر فرج بن فضالة عن أبي هريرة عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود .