أحمد بن علي الرازي
76
شرح بدء الأمالي
وكذا الإيمان نور كامل لا ينقص منه شيء لأنه لو نقص منه شيء ؛ لسكن في موضعه ظلمة الكفر ، فكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد مؤمنا وكافرا في حالة واحدة ؟ فالمؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا ، فليس في الإيمان شك وأيضا ليس في الكفر شك لقوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 4 ] . و أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 151 ] . وعامة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من أهل التوحيد كلهم مؤمنون حقا ، العاصون منهم وليسوا بكافرين . والناس إنما يتفاضلون بعضهم بالأعمال واليقين لا بالإيمان ، فمن آمن بما أنزل جبريل عليه السلام إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم كان مؤمنا وإن كان عاصيا ولا ينقص إيمانه بعصيانه ولا يكفر بكبائره . ومن قال لا يكفر ولكن بفسقه يخرج من الإيمان وله منزلة بين الكفر والإيمان كان معتزليا . ولا يجوز لأحد أن يقول إيماننا خير من إيمان الملائكة ؛ لأن الله تعالى أعطاهم العقل ولا يعطيهم الشهوة والفرائض ، وأعطانا العقل والشهوة والفرائض فإذا أدينا الفرائض كان إيماننا خيرا من إيمانهم . فهذا القول بدعة ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا الناس سنين أو عشر [ 33 ] سنين إلى الإيمان فقال : « من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا دخل الجنة » « 1 » . ثم جاء الأمر ببعض الطاعة فمن مات في تلك السنين مات بإيمان تام أم ناقص ؟ فإن قال : مات مع إيمان تام فقد أقر أن الإيمان تام إيمان واحد ، وقد دعا الناس على إيمان تام . وإن قال : مات مع إيمان ناقص فقد حكم أنه من أهل النار ؛ وقد أقر على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد دعا الناس على إيمان ناقص فهذا خطأ عظيم ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا إلى إيمانه لا
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده : ( 5 / 228 ، 229 ، 230 ، 232 ، 236 ) من طرق عن معاذ قال في إحداها : « ألا أخبر كم بشيء سمعته من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا ، سمعته يقول : « من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة » وقال مرة : « دخل الجنة ولم تمسه النار » . وإسناده صحيح على شرط الشيخين وأورده الألبانى في : « السلسلة الصحيحة » : ( 3 / 298 ) .