أحمد بن علي الرازي

75

شرح بدء الأمالي

إلا بنقصان الكفر ، ولا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر لأن الإيمان نور ، والكفر ظلمة فمن نقص من نور الإيمان يدخل فيه ظلمة الكفر فهذا محال ، فكيف يكون الكفر والإيمان في عبد واحد مجتمعا ؛ لأن الإيمان عقد على الصواب فإذا انتقص شيء من العقد انحل كله . كما أن الإيمان بجميع القرآن واجب ، وهو نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم آية فآية وسورة فسورة ، كما نزلت آية ، إن كان يجب التصديق بها فمن لم يصدق بآية [ 32 ] فقد كفر كما لو لم يصدق بجميع القرآن .

--> - الزيادة والنقصان ولكنها لا تدل إلا على الزيادة . من هذه الأدلة قوله تعالى : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً . وقوله : وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ، وقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً . وقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان . وكان عمر رضي الله عنه يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا . وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها . وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول للرجل من أصحابه : اجلس بنا نؤمن ساعة . كل ذلك يدل على أن الإيمان يزيد ، فأين ما يدل على قولهم بالنقصان ؟ لا دليل . وقول المؤلف لا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر ، قول غير صحيح ؛ لأنه لامكان للكفر مع الإيمان ؛ لأنهما ضدين لا يلتقيان في محل واحد ، فالإيمان أصل ثابت في العبد يزداد بالعلم والمعرفة والطاعة ، ولا ينقص بالمعصية ، ولكنه يقف عند حده ويكون مؤمنا عاصيا أو يرفع بالكلية حين قيام العاصي ببعض المعاصي التي ذكرها النبي صلّى اللّه عليه وسلم كقوله : « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » . والإيمان بجميع القرآن واجب ، فالمؤمن العاصي المؤمن بالقرآن ليس إيمانه كالعالم المؤمن بالقرآن ، والعالم المؤمن بالله الّذي ليس كمثله شيء المنزه عن الجهة ، والإحاطة ، والمثيل ، والشبه ، ليس كالعاصى المؤمن بالله الّذي يتصوره في مخيلته ، فإيمان العالم أفضل من إيمان العاصي ولهذا وغيره مدح الله سبحانه العلماء في غير ما موضع ، فإذا كان إيمان العالم أفضل من إيمان العاصي فكيف بإيمان الأنبياء ، وكذلك المحسن متفاضل في إيمانه عن المسىء المؤمن ، إلا أن المؤمنين في أصل الإيمان الّذي هو في القلب سواء . وأقول : بل هم متفاوتون تفاوتا عظيما فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم ، كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم مثل إيمان غيرهم ، وهكذا ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين ، وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده ، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للمرجئة ومن قال بقولهم والله المستعان .