أحمد بن علي الرازي
63
شرح بدء الأمالي
[ يونس : 101 ] وقال أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 185 ] . وقال : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [ نوح : 15 ] . وقال : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [ الغاشية : 17 - 20 ] . وأما العقل فإن معرفته لما كانت واجبة ولا حصول لذلك إلا بالنظر في الدليل ؛ لأنه طريق موصل لها فكان واجبا كوجوبها ضرورة ، فالدليل أن النظر طريق موصل إلى معرفته ؛ لأن العبد إذا نظر في ملكوت السماوات والأرض ورأى عجائب خلقتهما وبدائع فطرتهما وفطرة ما بينهما بأحسن ترتيب وأحكم تأليف يعرف ببديهة العقل أن هذه القدرة العجيبة ، والصنعة البديعة لا بدّ لها من صانع أحدثها ، ومبدع أنشأها ، ومقدر ألفها ومحكم أحكمها ، فيستدل بحدوث المصنوعات ووجود المخلوقات على وجود الصانع فيعرفه عند ذلك حق [ 20 ] معرفته بتعريفه إياه . والعقل آلة « 1 » في ذلك كما في سائر العبادات ، فإنّ العبد يأتيها بتوفيق الله وهدايته ،
--> ( 1 ) قوله : « والعقل آلة » . قال القرطبي في تفسيره : العقل المنع ومنه عقال البعير ؛ لأنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية ، لأنه يمنع ولى المقتول عن قتل الجاني ، ومنه اعتقال البطن واللسان ، ومنه ما يقال للحصن معقل . والعقل : نقيض الجهل ، والعقل : ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشى به الهوادج . ثم قال : اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم ؛ لأنه لو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض ، وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه ؛ إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ، ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت ، يفصل به بين حقائق المعلومات ومنهم من قال : إنه جوهر بسيط - أي غير مركب - ثم اختلفوا في محله ، فقالت طائفة منهم : محله الدماغ ؛ لأن الدماغ محل الحس . وقالت طائفة أخرى : محله القلب ، لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس . وهذا القول في العقل : بأنه جوهر ، فاسد من حيث إن الجواهر متماثلة فلو كان جوهرا عقلا لكان كل جوهر عقلا . وقيل : إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني ، وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي ، والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومتشهيا . وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وغير هما من المحققين : -