أحمد بن علي الرازي
62
شرح بدء الأمالي
لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة : 83 - 85 ] . وقيل : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يبكى فنزل جبريل عليه السلام فقال : « لأي شيء تبكى وأنت حبيب الله عز وجل ؟ فقال عليه السلام لجبريل : أنت لأي شيء تبكى وأنت أمين الله ؟ قال : من ذلك اليوم الّذي بدل الله صورة إبليس لعنه الله وغير اسمه إلى يومنا هذا فأنزل الله عليهما ملكا ليقول لهما : ابكيا لا تأمنا من مكرى « 1 » ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون » « 2 » . فإذا ثبت أن خوف الخاتمة فريضة سمعا وقولا وأن [ 19 ] معرفته بها واجبة فهما وعقلا . * * * الثالث فصل دلائل خوف الخاتمة بالسمع والعقل فاعلم أن طريق الوصول إليه النظر في الدلائل التي تدل على معرفته وهو أيضا بالسمع والعقل ، فالسمع قوله تعالى قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
--> ( 1 ) قلت : لفظ الفعل « مكر وكيد » يطلق على الله كما ورد ، ولا يجوز أن يشتق لله تعالى منه اسم ، فلا يقال من أسمائه الماكر ولا الكائد ؛ لأنه لم يرد . وأما تسميته : « مكرا وكيدا » ؛ فقيل من باب المقابلة نحو : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ، ونحو : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . وقيل : إنه على بابه فإن المكر إظهار أمر وإخفاء خلافه ؛ ليتوصل به إلى مراده ، وهو ينقسم إلى قسمين : محمود ومذموم ، فالقبيح إيصاله إلى من لا يستحقه ، وأما الحسن فإيصاله إلى من يستحقه عقوبة له . فالأول : وهو المحمود منه نسبته إلى الله لا نقص فيها ، وأما الثاني : وهو المذموم ، فلا ينسب إلى الله فمن المحمود مكره سبحانه بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم من جنس عملهم ، وكذا يقال في الكيد كما يقال في المكر ، والله إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا وحكمة . انظر : « الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية لعبد العزيز محمد السلماني » . ( 2 ) هذا القول لم أجده فيما بين يدي من مصادر ، والحديث إشارة إلى قول الله تعالى في سورة [ الأعراف : 99 ] أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ . قلت : ولقد أعياني البحث عن هذا الحديث في كتب التفسير فلم أجده والله أعلم .