أحمد بن علي الرازي

35

شرح بدء الأمالي

قياسا « 1 » ، واستحسانا استنباطا « 2 » لا اختراعا من جهة هوى النفس ، وهذا لأن الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها . فمن لم يعرف الكفر لا يعرف الإيمان ، ألا ترى أن من قال : لا أعرف الكافر كافرا فهو الكافر « 3 » ؛ لأنه لما لم يعرف الكفر لم يعرف الإيمان . وكذلك لو قال : لا أدرى أين مصير الكافر ؟ يكفر ؛ لأن الله تعالى علمنا أن مصير الكافر ، النار . وكذلك من لم يعرف البدعة والضلالة لم يعرف الاهتداء والاستقامة ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحدث حدثا في الإسلام فقد هلك [ 7 ] ومن ابتدع بدعة فقد ضل ومن ضل ففي النار » « 4 » .

--> ( 1 ) القياس : هو نوع من أنواع الاجتهاد ، لا يلجأ إليه إلا عند عدم وجود نص من القرآن والسنة ؛ لأنه لا اجتهاد مع النص ، وهو مصدر هام من مصادر الشريعة الإسلامية ، ومعناه : إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه ؛ لعلة مشتركة بينهما . ( 2 ) الاستنباط : هو التتبع والطلب ، ومنه قوله تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . أي الذين يتتبعونه ، ويطلبون علمه . انظر : المداخل الأصولية . ( 3 ) قرر العلماء أن من لم يكفر المشركين ، أو صحح اعتقادهم كفر إجماعا ، إلا أنهم فرقوا بين الفعل والفاعل ؛ فالفعل الّذي يسمى كفرا لا يطلق على فاعله إلا بشروط ، وانتفاء موانع ؛ فقد يكون معذورا بجهله ، أو مكرها على قوله ، أو مخطئا ، وكذلك فاعل البدعة ، والضلالة ، أو الفسق ، لا يسمى مبتدعا ضالا ولا فاسقا إلا بشروط وانتفاء موانع ، والله أعلم . انظر : المداخل الأصولية . ( 4 ) لم أجده بهذه اللفظ . وفي طبقات ابن سعد ( 7 / 148 ) بلفظ : « من أحدث حدثا في الإسلام فاقطعوا لسانه » . وأخرجه أبو داود في كتاب « الديات » باب « إيقاد المسلم بالكافر » ، ( 4 / ص 179 ) حديث رقم ( 4530 ) . والنسائي في كتاب « القسامة » ، باب ( القعود بين الأحرار ) : ( 8 / ص 387 - 388 ) حديث رقم ( 4748 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / ص 119 ، 122 ) . جميعا من حديث علي بن أبي طالب حينما سألوه هل عهد إليك النبي صلّى اللّه عليه وسلم شيئا ؟ فأخرج إليهم كتابا . . . وفيه : « من أحدث حدثا فعلى نفسه أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » . وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » . -