أحمد بن علي الرازي
34
شرح بدء الأمالي
به ، ولا وجه إلى إنكار وقوع العلم بهذه الأسباب ، فمن أنكر فقد عرف بنفسه عباد غيره . وقوله : اختلاف الأئمة « 1 » ، أراد به علم النظر بدقائق الأشياء
--> ( 1 ) اختلاف الأئمة في العقيدة على قسمين ؛ الأول : ما اختلفوا فيه مع غيرهم ، والثاني : ما اختلفوا فيه فيما بينهم . فالأول : ما اختلفوا فيه مع غيرهم من أهل الملل ، كما في : إثبات التوحيد لله ، والعلم ، والعدل ، فالحق فيها واحد فمن أصاب أصاب الحق ، ومن أخطأ فهو كافر ، لأن القول القاطع الصواب قول أهل الإسلام ؛ لأنه اعتقاد مطابق وتصديق ثابت بالكتاب المعروف بالإعجاز ، وبالسنة التي هي كذلك أيضا ، وبالعقل الّذي يستدل به على الآيات التي بها كونية كانت أو شرعية . أما الاجتهادات من دونهم ؛ كاليهود والنصارى فهي اعتقادات غير مطابقة ، وتصديقات غير ثابتة ، فمن صوب اليهود والنصارى وسائر الكفار في اجتهاداتهم كفر إجماعا ؛ لأنه طابق الاعتقاد للمعتقد وصدق ما ليس بثابت ، وقد ذكر العلماء : أن من نواقض لا إله إلا الله من لم يكفر الكافر ، أو شك في كفره ، أو صحح مذهبه كفر إجماعا . والثاني : ما اختلف فيه المسلمون فيما بينهم من العقيدة ، سواء من الأئمة ، أو غيرهم من المسلمين ، فالحق واحد أيضا والصواب ملازمة ما كان عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وصحبه ، والمخطئ من خاض في الاجتهاد في مسائل العقيدة ؛ كمن خاض في خلق القرآن ، وغير ذلك مما يعظم خطره . وليس لمجتهد أن يستفرغ جهده ووسعه في مثل هذه المسائل التي لا طاقة لنا بها ؛ لأنه غير مكلف بما لا يطيق ؛ فإن سلك هذا المسلك الصعب فهو مخطئ ، لا شك في تأثيمه ، وتفسيقه ، وتضليله . واختلف العلماء في تكفيره ، والظاهر عدم التكفير ، وهو اختيار أغلب العلماء ؛ قال الشوكاني : حكى إمام الحرمين عن معظم أصحاب الشافعي ترك التكفير وقال : إنما يكفر من جهل وجود الرب ، أو علم وجوده ولكن فعل فعلا أو قال قولا أجمعت الأمة على أنه لا يصدر إلا من كافر . انتهى . والأئمة والحمد لله معافون من ذلك كله ، ويدل على ذلك مؤلفاتهم وثناء علماء المسلمين عليهم سلفا وخلفا . قال الشوكاني : واعلم أن التكفير لمجتهدى الإسلام بمجرد الخطأ في الاجتهاد في شيء من مسائل العقل عقبة كئود ؛ لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ، ولا يحرص عليه ؛ لأنه مبنى على شفا جرف هار ، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض ، وغالب القول به ناشئ عن العصبية ، وبعضه ناشئ عن شبهة واهية ليست من الحجة في شيء ، ولا يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين فضلا عن هذا الأمر الّذي هو مزلة الأقدام ، ورفضه كثير من علماء الإسلام . انظر : ( إرشاد الفحول ) .