أحمد بن علي الرازي
312
شرح بدء الأمالي
بيّن أن الإيمان هو الإقرار مع تصديق القلب ، وخالصة دون العمل ، وأجمعوا أنّ من آمن وصدق ، ومات قبل وجود الأعمال منه مات مؤمنا ، وكذلك من آمن وصدق في أقصى الترك وعاش سنين ولم يعلم الشرائع ثم مات فهو مؤمن ، وكذلك سحرة فرعون آمنوا ولم يعملوا ، إيمانهم تام مكمّل ، ولو كان « 1 » الأعمال من الإيمان لما حكمنا بكونهم مؤمنين بمجرد الإقرار ، ولو كانت واقعا على مجموع التصديق والإقرار لأوجب ذلك زوال الإيمان بزوال بعض الإيمان وبزوال كلها . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى ما أنعم على الكفار بالهداية والإيمان [ 217 ] واختلفوا في أنه هل أنعم عليهم بالمنافع والملاذ العاجلة أم لا ؟ وكذا اتفقوا أنه أنعم على المؤمنين بالهداية والإيمان واختلفوا في أنه هل أنعم عليهم بالأمراض والأسقام الشدائد والمحن . قال : هذه الأشياء نعمة في حقهم ومحنة ؛ فالجملة في ذلك أن كل نفع وضرر يوصل العبد إلى الطاعات ، ونعم الأبد فهو نعمة ظاهرا وباطنا ، وكل ما لا يوصله إلى ذلك أو يوصله إلى اكتساب المعاصي فهو نعمة في الظاهر ونقمة في الباطن . وكذا اتفقوا على أن الله تعالى لو أدخل جميع الخلائق إلى الجنة من غير طاعة ولا سابقة عمل منهم يكون ذلك حسنا وحكمة ، ولو أدخلهم النار من غير معصية ولا عاقبة عمل هل يحسن ذلك ؟ . قال بعض أهل السنة والجماعة : يجوز ولو فعل ذلك يكون حسنا وحكمة وعدلا وتصرفا في ملكه . وقد ثبت أن الإيمان غير العمل ، والعمل غير الإيمان كما أن الكفر معصية وليس كل معصية كفر ، فكذلك قلنا : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، ولأن الإيمان يجوز أن نقول في موضع يحسن أو يقول وهو جنب ، ولا يجوز العمل في موضع نجس أو في حالة الجنابة ؛ ولأن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن ، ولا يجوز أن يرتفع الإيمان ، [ 218 ] كالحائض أمرها الله بترك الصلاة ، ولا يجوز أن يقال : أمرها بترك الإيمان ، وقد قيل لها : دعى الصوم ثم اقضيه ولا يقال : دعى الإيمان ، ثم اقضيه .
--> ( 1 ) [ كان ] كذا بالأصل ، والصحيح [ كانت ] .