أحمد بن علي الرازي
313
شرح بدء الأمالي
ويجوز أن يقول : ليس على الفقراء زكاة ، ولا يجوز أن يقال : ليس عليهم إيمان ، فالأعمال شرائع الإيمان لا من الإيمان ؛ لأن الإيمان تصديق والأعمال ليست من التصديق في شيء ، وقال الشافعي ، رحمه الله تعالى : العمل من الإيمان ، وكذا قال : الإيمان يزيد وينقص ، واحتج بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] . ونحن نقول : معنى الإيمان هاهنا التصديق إيمانا أي تصديقا ، فهذا القول يؤدى إلى إبطال خطاب الله تعالى ، لأن الله تعالى إنما خاطب بالعمل من علم إيمانه حيث قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى آخره [ المائدة : 6 ] . فلما كان الوضوء والصلاة والزكاة من الإيمان يدخل في خطاب الإيمان ويبطل خطاب الأمر والعمل ويتوجه عليه خطاب الأمر بالعمل بعد الموت ، والموت قاطع للعمل يدل عليه أن الله تعالى شرط العمل الصالح مع الإيمان وأعطى الثواب بقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 277 ] . وقال : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ 219 ] [ مريم : 60 ] . ويدل عليه أن الإيمان محلّه القلب والعمل محلّه الجوارح فمن جعل أحدهما من الآخر فقد أبعد النجعة ؛ لأنه فوّت محله كَفى بِهِ شَهِيداً [ الأحقاف : 8 ] . وقوله : إن الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمدا رسول الله فلم يفرض الله الأعمال بذلك إلى أحد ، ثم بعده الأعمال وليس به مفروض موصول مع الإيمان ومن لم يرها فرضا كان فاسقا وجبريا ومباحيّا . ومن قال : لا أعرف أنّ الله تعالى فرض عليّ الصلاة والصيام والزكاة والحج كفر ؛ لأن الفرض منصوص عليه ، قال الله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] . وإن قال : أؤمن بهذه الآية ولا أعلم تأويلها ولا تفسيرها لا يكفر ؛ لأنه صدق بالتنزيل وإن كان مخطئا في التأويل . وعلى هذا دلائل كثيرة بالكتاب والخبر والأحكام والشواهد ؛ أمّا الكتاب قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ ولم يقل اعملوا لله ولرسوله وقال تعالى : آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ولم يذكر العمل ، وأما الخبر : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأبى الدرداء : « اذهب وناد من قال : لا إله إلّا الله خالصا مخلصا دخل الجنة » .