أحمد بن علي الرازي
203
شرح بدء الأمالي
وكيف وهو أنشأه ؟ تعالى الله عن أن يحويه مكان أو يحده زمان وهو لا في شيء ولا على شيء « 1 » ولا من شيء ، فمن زعم هكذا فقد كفر ؛ لأنه لو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان من شيء لكان محدثا ، تعالى الله عن ذلك . وأما الآية بالإتيان مثل قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ قال بعض المفسرين : أي وجاء « 2 » أمر ربك ، وقوله : هَلْ [ 124 ] يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [ الأنعام : 158 ] ، أي يأتيهم أمر الله « 3 » .
--> ( 1 ) سبق بيان أنه على العرش استوى ، والعرش شيء لا عدم وليس معنى أن الله سبحانه على العرش أنه محمول ، تعالى الله عن ذلك ، ولا يقول إن الله محمول على العرش إلا من شبه استواء الخالق بالمخلوق ، نعوذ بالله من التشبيه والتمثيل ، بل نؤمن بما أخبر به عن نفسه في كتاب بأنه استوى على عرشه . قال علي بن أبي العز الأذرعى : لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه ، بل له في ذلك حكمة اقتضته ، وكون العالي فوقا للسافل لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي محيطا به حائلا له ، ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه ، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها ، فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل أن يلزم من علوه ذلك ، بل لوازم علوه من خصائصه ، وهي حمله بقدرته للسافل ، وفقر السافل ، وغناه هو سبحانه عن السافل ، وإحاطته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به ، وحصر العرش له ، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق ، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ، ولسلكوا خلف الدليل ، ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ، رحمه الله : الاستواء معلوم والكيف مجهول . ا . ه . ( 114 ) ، وهذا القول سبق ذكره في هذا الباب . ( 2 ) قلت : عند أهل السنة والجماعة : الإتيان والمجىء المضافين إلى الله نوعان ، مطلق ومقيد ، فإذا كان مجىء رحمته وعذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ، وكما في الحديث : « حتى جاء الله بالرحمة والخير » . النوع الثاني : الإتيان والمجىء المطلق ، فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه ، كقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ، وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . انظر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية ( 164 ) . ( 3 ) للرد على من أول النزول بنزول الأمر ، والمجىء بمجيء الأمر كما ذهب إلى ذلك المؤلف -