أحمد بن علي الرازي
204
شرح بدء الأمالي
--> - والأشاعرة ونحوهم من أهل البدع ما يلي : ذكر الإمام المحقق ابن القيم ، رحمه الله ، على قوله تعالى : وَجاءَ ، وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ، وقوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ . قيل : إنه من مجاز الحذف تقديره : وجاء أمر ربك ، وهذا باطل من وجوه : أحدها : أنه إضمار ما لا يدل عليه اللفظ بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ، وادعاء حذف « ما » لا دليل عليه يرفع الوثوق من الخطاب ويطرق كل مبطل على ادعاء إضمار « ما » يصحح باطله . ثانيها : صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار ، فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز . ثالثها : أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين قول على المتكلم بلا علم وإخبار عنه بإرادة « ما » لم يقل دليل على إرادته ، وذلك كذب عليه . رابعها : في السياق ما يبطل هذا التقدير وهو قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ فعطف مجىء الملك على مجيئه حقيقة كما أن مجىء الملك حقيقة ، بل مجىء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجىء الملك وكذلك قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ . ففرق بين إتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب ، فقسم ونوع ، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدا فتأمله . قلت : وذكر وجوها يطول ذكرها . قال : وأما من قال يأتي أمره وينزل رحمته فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل وأتى حلت رحمته وأمره ، فهذا حق وإن أراد أن النزول والمجىء والإتيان للرحمة والأمر وليس إلا ذلك ، فهو باطل من وجوه عديدة تقدمت . ونزيدها وجها آخر منها أن يقال : أتريدون رحمته وأمره وصفته القائمة بذاته ، أم مخلوقا منفصلا سميتموه رحمة وأمرا ؟ فإن أردتم الأول فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعا ، وإن أردتم الثاني ، كان الّذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقا محدثا لا رب العالمين ، وهذا معلوم البطلان قطعا ، وهو تكذيب صريح ، فإنه يصح معه أن يقال : لا ينزل إلى السماء الدنيا ويأتي لفصل القضاء ، وإنما ينزل ويأتي غيره . ومنها كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق لا أسأل عن عبادي غيرى ويقول : من يستغفرني فأغفر له ، ونزول أمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه ، وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الّذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه مع رد خبره صريحا . ومنها أن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير ولا بوقت دون وقت ينزل أمره فلا تنقطع رحمته ، ولا أمره عن العالم العلوي والسفلى طرفة عين . -