أحمد بن علي الرازي

188

شرح بدء الأمالي

إذ الموصوف بالصفات محلّها التي يقومها لا خالقها ، ولا جائز أن يحدث لا في محل ؛ لأنّ الكلام المحدث عرض « 1 » ووجود العرض لا في محل محال ؛ إذ القول يؤدى إلى قلة الحس ، فإن الفرق بين العرض والجوهر هذا أنّ الجوهر ما يقوم بنفسه والعرض ما يقوم بغيره ، فالقول بقيام العرض بنفسه قول يؤدى بقلة الحس وهو محال . فإن قيل قولكم بأن الله متكلم بكلام حادث أو بكلام قديم ؟ . قلنا : بكلام حادث . قولكم : بأنه لو كان متكلما بكلام لا يخلو إما أن أحدث في ذاته أو في محل آخر أو لا في محل على ما قلتم . قلنا : أحدث في محل لا في ذاته ، ولا في محل . قولكم : إذ أحدثه في محل ، فالموصوف بكونه متكلما ذلك المحل لا الخالق كما في سائر الأعراض . قلنا : شرط كون المحل موصوفا بذلك الوصف لا الخالق أن يكون قائلا لذلك الوصف ، والمحل الّذي أحدث الله الكلام فيه ، وهو الجماد ليس بقابل للتكلم ؛ لأن الجماد لا يقبل التكلم ، فاتصاف الله بكونه متكلما لا للمحل ؛ لانعدام شرطه بخلاف الحركة والسكون وغيره ، حيث اتصف المحل به لا الخالق ؛ لأن المحل قابل لهذه الأوصاف ، ولأن في خلق الحركة والسكون وغيره من الأعراض في محال « 2 » [ 112 ] إنما يتصف المحل بكونه موصوفا لا الخالق ؛ لأنه يستحيل إضافة هذه الأوصاف إلى الله تعالى ؛ لأنه من أوصاف النقص . أما ليس في إضافة الكلام إلى نفسه استحالة ؛ لأن الكلام من صفاته ، فجاز أن

--> ( 1 ) سبق الكلام عن العرض والجسم والجوهر . وكلام المخلوقات أعراض تقوم بغيرها ، وهي المخلوقات وكلام الله سبحانه ليس كمثله شيء وليس بأعراض تعالى الله عن الأعراض فكل صفاته سبحانه قائمة بذاته أزلية لا تنفك عنه وهو موصوف بصفات الكمال ، والأعراض من صفات النقص ؛ لقيامها بغيرها ، وحدوثها وفنائها عن ما قامت به ، وكما أن الكلام صفة ذاتية لا تنفك عن الله ، فهي صفة فعل يصلح فيها تقدير إذا شاء ، وليس ذلك عرض تعالى الله عن ذلك وقد فصلنا هذا في غير هذا الموضع ، والله أعلم . ( 2 ) قوله : محال ، لا يقصد به استحالة الفعل ، بل معناه جمع محل ، والله أعلم .