أحمد بن علي الرازي
186
شرح بدء الأمالي
تعالى أمرا ونهيا وأخبارا واستخبارا ، أما الأخبار قوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] وكذلك قوله : فَأَلْقى عَصاهُ [ الأعراف : 107 ] ولو كان كلامه أزليا لتمكن الخلف في خبر الله تعالى ؛ لأن الإخبار يستدعى وجود المخبر به ، وفي الأزل لم يكن آدم [ 108 ] موجودا ولا موسى ، ومعنى الأخبار غير معنى الاستخبار ، ومعنى النهى غير معنى الأمر بل متضادة ، قالوا : كيف تكون أمرا ونهيا وأخبارا واستخبارا ؟ والمعنى الواحد كيف يشتمل على معان مختلفة متضادة ؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور والصحف كلام الله تعالى ، والقرآن كذلك الّذي هو عندنا كلام الله وعندكم عبارات دالة على الكلام ، ما قولكم أن الكلام كلام واحد أم كلمات ؟ إن قلتم : كلمات فقد أبطلتم كلامكم ؛ لأن عندكم كلام الله تعالى واحد ، وإن قلتم : الكل كلام واحد فباطل أيضا ؛ لأنه إذا كان واحدا فما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم يكون منزل على موسى وعيسى عليهما السلام ، وما أنزل عليهما يكون منزلا على محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وإجماع الناس بخلافه ، ولأن عندكم لما كان الكلام أزليا والله تعالى [ 109 ] متكلم في الأزل ، فلا يخلو إما أن يكون متكلما للاستئناس والتوكيد والتحفظ ، فإنّ في الشاهد متكلم وحده لا يخلو عن هذين الوجهين لا جائز أن يكون متكلما للاستئناس ، وأنّ ذلك لإزالة الوحشة ولا يتحقق في حق الله تعالى ، بل هو محال في حقه . ولا جائز أن يكون للتوكيد ؛ لأن السهو والغفلة والنسيان لا يجوز في حق الله ؛ ولأن الله تعالى لو كان متكلما في الأزل لا يخلو إما أن يكون كلامه موافقا كما في الشاهد أو مخالفا ، إن كان موافقا جاء ما قلنا ، وإن كان مخالفا في الشاهد لا يجوز ؛ لأنه لما جاز أن يكون موصوفا بكلام خلاف ما في الشاهد جاز أن يكون متحركا بحركة أو ساكنا بسكون خلاف ما في الشاهد ، وفي حق الحركة والسكون لا يجوز ، فكذلك في حق الكلام . فالحجة لأهل السنة والجماعة : وهو أنا اتفقنا أن الله تعالى متكلم حقيقة وقت التكلم ، وإن اختلفنا في الأزل ولا يخلو إما أن يكون متكلما بكلام هو قديم ، ولا يجوز أن يكون متكلما بكلام هو حادث . « 1 » وجب القول ضرورة : إنه متكلم بكلام وهو
--> ( 1 ) كل ما ذكره المؤلف في نفى حدوث كلام الله تعالى مطلقا مخالف لما ذكره علماء أهل السنة -