أحمد بن علي الرازي

185

شرح بدء الأمالي

سمكا « 1 » أن الجعل ينبئ عن الخلق ، ألا ترى إلى قوله تعالى خبرا عن الملحدين : جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [ الحجر : 91 ] ، وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] . وقال : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ [ الرعد : 33 ، الأنعام : 100 ] ، إن الجعل هاهنا خبر عن الخلق ، ولو جعل القرآن محدثا لجاز الخرس عليه قبل إحداث الكلام ، فحاشا أن يوصف الله عز وجل بالخرس ؛ لأن الأخرس عاجز لا يصلح أن يكون أميرا ، فكيف يصلح أن يكون ربا ؟ ! . والّذي قلتم المكتوب والمسموع والمقروء قرآن حال حقيقة لا مجازا ، فحقيقة القرآن صفة الله وصفته قائمة بذاته بلا كيف ولا كيفية ولا مثل ، كما أن ذاته توصف بلا كيف ولا كيفية ولا مثل ، وقد أقمتم الدليل من رأيكم وضلالتكم وأبدعتم بحبه أقوالكم ووصفتم صفة الله تعالى بالكيف ، فحاشا أن يوصف الله تعالى بالكيف ، فحاشا أن يوصف ذات الله تعالى أو صفاته بالكيف . واحتجوا بقوله تعالى : [ 107 ] ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ [ الأنبياء : 2 ] . أجمع أهل التفسير على أن المراد من الذكر المذكور في الآية كلام الله تعالى ، فالله تعالى أخبر أن كلامه محدث ، فمن قال : إنه قديم ، فقد خالف النص ، وكذلك قال : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ [ فصلت : 44 ] . والجعل والخلق واحد ، أخبر أنه مخلوق ، وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] . وصفة كونه منزلا ، والمنزل يكون حادثا ، وكذلك قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] . والمسموع هذه العبارات وهذه الحروف محدثة ، وقد سمى الله تعالى هذه الحروف كلام الله ، وهذه الحروف محدثة ومخلوقة ، ولهذا قيل : التصنيف ، والتعشير ، والتثليث ، والتسبيع ، ويقال : نصف القرآن وربعه وعشره وسبعه . والمحدث يقبل هذه الأشياء ، دل أنه مخلوق وليس بأزلى قديم ؛ ولأن في كتاب الله

--> ( 1 ) [ سمكا ] : أي مرفوع . انظر « المعجم الوسيط » ( 1 / 450 )