أحمد بن علي الرازي
179
شرح بدء الأمالي
تسمى « إنجيلا » ، وبالعبرانية تسمى « توراة » ، وبالقبطية تسمى « زبورا » ، وتكون الكل كلام الله تعالى على معنى أنه يتلى باللغات ، يسمّى المقروّ قرآنا ، كما يسمى المشروب شرابا . والاستعمال فيه جعل حقيقة لا يعرف عند الإطلاق ، وكلامه واحد كالعلم والإرادة ؛ لأن الواحد لا بد من إثباته ، والعدد يتعارض القول فيه ، ولا يدخل العدد في ذاته ، كذلك لا يدخل العدد في صفاته ، فالواحد أولى من العدد ، وتسمية كلامه « قرآنا » و « توراة » و « إنجيلا » و « زبورا » ، لا يقتضي كثرة كلامه ، كما يسمى بالعربية الله جل وعلا ، وبالعجمية خداى ، وهما واحد ، فكذلك كلامه ، وفي كلامه أمر ، ونهى ، وخبر ، واستخبار ، وخطاب ، ونداء ، ووعد ، ووعيد ، وقصص ، وأمثال ، وموعظة ، فكله [ 104 ] كلام الله تعالى . وكلامه يجوز أن يسمع على المعنى الّذي ذكرنا ، وقد سمع موسى عليه السلام كما سمع جبريل عليه السلام « 1 » ، وكذا المراد من الآيات هو المعنى الّذي ذكرنا ، فثبت أن كلامه ليس من الحوادث ، وإنما الحوادث هي الحروف والأصوات الدالة عليه « 2 » ،
--> ( 1 ) يقصد غفر الله لنا وله : أن موسى عليه السلام سمع من الله بلا صوت وحرف ، وهو الغائب كما عبر عنه من قبل ، وسمع موسى عليه السلام بصوت وحروف هجاء ، وهو ما عبر عنه بالشاهد ، وهو ما حدث مع جبريل عليه السلام بزعمه ، ومذهبه في هذه المسألة باطل مخالف لعقيدة أهل السنة ، والله أعلم . ( 2 ) أخطأ المؤلف في هذه العبارة وغيرها من العبارات الدالة على نفيه كون كلام الله قرآنا وغيره حروفا ، وكلاما بل هي على المعنى سمعها موسى وجبريل على المعنى لاعتقاده أن الحروف والألفاظ من الحوادث واستحالة أن تكون صفة من صفات الرب حادثة ؛ لأن الحادث مخلوق وهو قول فيه خلط ولم يوفق فيه المؤلف لوجوه : الأول : ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وهي لا تحصى ، بل القرآن من فاتحة الكتاب إلى البقرة يدل على أن القرآن كلام الله حرفا وهجاء ، إلا أن ذلك يحتاج إلى تفصيل ، وسيأتي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية . الثاني : أننا ذكرنا أن الكلام صفة ذات فعلية ، أي ينطبق عليها حد الذاتية ويصلح فيها تقدير إذا شاء ، وهذا ينفى قول المؤلف ، قال : لو لم يكن متكلما لكان موصوفا بضده وهو الخرس . فالله سبحانه من صفاته الذاتية القديمة أنه متكلم ، وهو يتكلم متى شاء كيفما شاء لمن شاء ، -