أحمد بن علي الرازي

180

شرح بدء الأمالي

ويستحيل أن يكون الباري جلّت قدرته محلا للحوادث ، داخلا تحت التغيير ، بل تحت الصفات من نعوت القدم ما تحت الذات ، وهو لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ، كذلك لا يزال في أبده منزها عن تغيير الحالات ، دلالته أنه متكلم بالسمع والعقل ، أما السمع « 1 » ، قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً .

--> - كما كلم موسى وجبريل وآدم وحواء ، وكما ورد في حديث النزول ، والرجل الّذي أحرق نفسه وغير ذلك من الأدلة الكثيرة . انظر : معارج القبول ( 1 / 258 ، 304 ) . الوجه الثالث : أن المؤلف لم يفرق بين كلام الله بحروفه ألم ص ق وغيرها التي بدئت من الله وإليه تعود ، وبين المداد المكتوب به ، كما قال شيخ الإسلام في الفتاوى ( 5 / 146 ) . عارضه آخرون من المثبتة ، فقالوا : بل القرآن هو الحروف والأصوات ، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد ، وبالأصوات أصوات العباد ، وهذا لم يقله عالم ، والصواب الّذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد ، وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع سلف الأمة ، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ، ليس ذلك كلاما لغيره ، ولكن أنزله على رسله ، وليس القرآن أسماء لمجرد المعنى ، ولا لمجرد الحرف ، بل لمجموعهما . وقال رحمه الله في موضع آخر من نفس المرجع ( 5 / 148 ) : وقلت في جواب الفتيا الدمشقية وقد سئلت فيها عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن حرف وصوت ، وأن الرحمن على العرش استوى على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره ، هل يحنث هذا أم لا ؟ فقلت في الجواب : إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن والمداد الّذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية ، فقد حنث في يمينه ، وما علمت أحدا من الناس يقول ذلك ، وإن كان قد كره تجريد الكلام في المداد الّذي في المصحف وفي صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن . ومن الناس من تكلم في صوت العبد ، وإن كنا نعلم أن الّذي نقرؤه هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ، وأن الّذي بين اللوحين هو كلام الله حقيقة ، ولكن ما علمت المكتوب به ، وصوت العبد بالقرآن بأنه قديم ، ولكن الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وكلام السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان في باب صفات الله تعالى إلا المعاني التي تليق بالخلق لا بالخالق . أ . ه . ( 1 ) هذه الأدلة التي يستدل بها حق أريد بها باطل ، فهو يستدل بها على مذهبه الفاسد الّذي قال فيه : إن القرآن عبارات ومعاني كلام الله ، أو دلالات على كلام الله ، وهو باطل يستدل عليه بحق ، والله أعلم . وقال الشيخ أحمد بن حافظ الحكمي : وليس كلام الله المعاني دون الحروف ، ولا الحروف دون المعاني ، بل حروفه ومعانيه عين كلام الله . ( معارج القبول ( 1 / 261 ) .