أحمد بن علي الرازي

178

شرح بدء الأمالي

ليس [ 103 ] بعربي ولا سريانى ولا عبراني ولا قبطي ؛ لأن هذه اللغات أوصاف اللفظ المركب من الحروف ، بل هن عبارات عن كلام ، وهذه العبارات حروف وأصوات وهي مخلوقة محدثة في محالها ، وهي الألسنة واللهوات . وإنما تسمى قرآنا لجمع الجمع ، وتسمى كلام الله تعالى ؛ لأن الكلام سار بها قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] . منصرف إلى العبارات دون القائم بذاته ، والقراءة بالعربية تسمى قرآنا ، وبالسريانية

--> - إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، فقال الله سبحانه : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ، وقال بعضهم : هو شعر ، فقال الله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ . فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الّذي هو حروف وكلمات وآيات ؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد : إنه شعر . قلت : لم يقصد ابن قدامة بالحروف والكلمات والآيات المداد الّذي على الورق ، أو الورق الّذي عليه المداد ، أو الصوت المسموع من القارئ ، ففي كلامه إجمال يحتاج إلى تفصيل ليس هنا موضعه ، وقد سقنا هذا التفصيل لغيره من علماء السنة كابن تيمية لإتمام الفائدة في غير هذا الموضع من المؤلف ، فراجعه . وقال الله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل . وقال الله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي . فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم ، وقال تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ وقال : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، بعد أن أقسم على ذلك وقال : كهيعص ، حم عسق ، وافتتح تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة . وقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة » ، حديث صحيح . وقال عليه السلام : « اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم ، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه » . وقال أبو بكر ، رضي الله عنه : إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه . وقال على ، رضي الله عنه : من كفر بحرف منه فقد كفر به كله . واتفق المسلمون على عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه أنه كافر ، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف . أ . ه . لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي ( ص 15 - 18 ) .