أحمد بن علي الرازي
127
شرح بدء الأمالي
--> - والصفات الاختيارية وصفات الفعل كلها أزلية أيضا ، كالخلق والتصوير ، والإحياء ، والإماتة ، والقبض ، والبسط ، والطي ، والاستواء ، والإتيان ، والمجىء ، والنزول ، والغضب ، والرضا ، ونحو ذلك مما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله ، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله ، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ، ولا متوهمين بأهوائنا ، ولكن أصل معناه معلوم لنا . كما قال الإمام مالك ، رضي الله عنه ، لما سئل عن قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، كيف استوى ؟ فقال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول . وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت ، كما في حديث الشفاعة : « إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله » ؛ لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع ، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن ، ألا ترى أن الكاتب في حالة الكتابة هو كاتب بالفعل ، ولا يخرج عن كونه كاتبا في حال عدم مباشرته للكتابة . وحول الحوادث بالرب تعالى المنفى في علم الكلام المذموم : لم يرد نفيه ، ولا إثباته في كتاب ولا سنة ، وفيه إجمال ، فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة ، ولا يحدث له وصف متجرد لم يكن ، فهذا نفى صحيح . وإن أريد به نفى الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ، ولا أنه يغضب ويرضى ، لا كأحد من الورى ، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته ، فهذا نفى باطل . وكذلك مسألة الصفة ، هل هي دائرة على الذات أم لا ؟ لفظها مجمل . وكذلك لفظ الغير ، فيه إجمال ، فقد يراد به ما ليس هو إياه ، وقد يراد به ما جاز مفارقته له ، ولهذا كان أئمة السنة لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه « غيره » ، ولا أنه « ليس غيره » ؛ لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له ، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو . إذا كان لفظ الغير فيه إجمال ، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل ، فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها ، فهذا غير صحيح ، وإن أريد بها أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة ، فهذا حق ، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات ، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها ، وإنما يعرض للذهن ذات وصفة ، كلّ وحده ، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة ، فإن هذا محال ، ولو لم يكن إلا صفة الوجود فإنها لا تنفك عن الوجود ، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا ، يتصور هذا وحده ، وهذا وحده ، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج . وقد يقول بعضهم : الصفة لا عين الموصوف ولا غيره ، وهذا له معنى صحيح ، وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة ، بل هي غيرها ، وليست غير الموصوف -