أحمد بن علي الرازي
110
شرح بدء الأمالي
وقوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] . وقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] . ونظائره كثيرة . هذه الدلائل كفاية لمن رزقه الله الفهم ، ولأنه لو لم يكن بإرادته لم يكن مختارا في خلقه ، بل يكون مضطرا وأنه كافر ضال ، ولو شاء من الكافر الإيمان ، والكافر شاء من نفسه [ 57 ] الكفر لكانت مشيئة الكافر أنفذ من مشيئة الله تعالى وهذا محال ، وهو من أمارات العجز ، تعالى الله عن ذلك . وما علم الله تعالى أنه يكون أراد أن يكون فيكون ، طاعة كانت أو معصية ، وإن أمر بالطاعة وإرادته موافقة لعلمه لا لأمره ونهيه « 1 » ، ومن هدى الله أي خلق فيه فعل الاهتداء يهتدى ، وذلك في مشيئة اللّه تعالى قال اللّه تعالى : يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ المدثر : 31 ] ويعصم « 2 » ويعافى فضلا - أي حفظا وتجاوزا - ويضل من يشاء ، ويخذل ويبتلى عدلا ، وكلهم يتقلبون في مشيئته وعدله ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لأمره . آمنا بذلك كله ، وأيقنا أن كلا من عنده ، فالقدر سر ، والقضاء ظهور ذلك السر إلى اللوح ، والحكم نزوله إلى العبد أي نزول أمره ، فالحكم يقتضي التسليم ، والقضاء يقتضي الرضا ، والقدر يقتضي التفويض ، والقدر في علم الله لا وجه اللوح ، والقلم الاطلاع عليه وإذا اطلع اللوح عليه يسمى قضاء ، وإذا وصل إلى العبد يسمى حكما ، والقدر مقدار في صفته الّذي علم وصوله إلى العبد إن شاء ، والقدر صفته ، والمقدور ملكه ، والقدر ليس بمحدود ، ولا معدود ، والمقدور محدود ومعدود . فكذلك القضاء ، [ 58 ] وللمقضى ، والحكم ، والقدر ربوبيته ، فمن غير ابتداء تصويبا من الله تعالى ، والقضاء ما صوبه ، والحكم تعليق ما لزمه العبد .
--> ( 1 ) توسط المؤلف بعبارته هذه الموجزة بين مذهب أهل السنة والمبتدعة وقال : وإرادته موافقة لعلمه لا لأمره ونهية وكلمة « ونهيه » زيادة لم ترد في قول المبتدعة وقد ذكر من قبل أن المبتدعة قالوا : إن الإرادة مطابقة الأمر وقال : وعندنا الإرادة مطابقة العلم ، وقد بينا مذهب جمهور أهل السنة بكلمات موجزة وأيدناها بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية فليراجع . ( 2 ) قوله : « ويعصم ويعافى » إلى « وأيقنا أن كلا من عنده » هي عبارة الإمام الطحاوي في أصول العقيدة الإسلامية ، المعروف بمتن الطحاوية .