أحمد بن علي الرازي

111

شرح بدء الأمالي

فإن قيل : أمر الله تعالى بشيء ولم يشأ خلقه ، أو شاء ولم يأمر خلقه ، وقد ذكرنا أنه خلق الكفر ويشاء ولم يأمر وأمر بالإيمان ولم يشأ له . فإن قيل : مرضية أو غير مرضية ؟ قلنا : مشيئته مرضية ، والكفر ليس بمرضى « 1 » . وإن قيل : إذا يعاقب الله عباده على ما يرضى ؟ قلنا : لا بل يعاقبهم على ما لا يرضى ؛ لأنه يعاقب الكافر على كفره ، والعاصي على عصيانه ، كلاهما غير مرضى . وإن قيل : ألست قلت : إن المعصية والكفر بمشيئة الله تعالى ، ومشيئته مرضية ؟ قلنا : نعم إن المشيئة والإرادة والقضاء وجميع صفاته مرضية ، غير أن الفعل الحاصل من العبد بمشيئة الله تعالى قد يكون مرضيا نحو الطاعات ، وقد يكون مسخوطا غير مرضى كالمعاصى ، اعتبر هذا بالأعيان أنه خلق نفس الكافر بلا خلاف وليس يرضى ، وكذلك الخمر والخنزير ، وجميع أفعال الشر . وإن قيل : هل يقدر الله تعالى على أن يخلق الخلائق كلهم مطيعين ؟ قلنا : نعم ، لقوله تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] . [ 59 ] وقال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ [ المائدة : 48 ] . أي أعطاكم . وقال : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] . وأفعال العباد خلق للّه تعالى ، وكسب من العباد ، ولا يطيقون إلا ما كلفهم الله ، أي إلا ما أمرهم الله به ، ولا يأمرهم ولا يكلفهم إلا ما يطيقون ، وهو تفسير قوله : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . نقول : لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله تعالى « 2 » إلا بمعونة الله ، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله تعالى والثبات عليها إلا بتوفيق الله ، ومشيئته ، وقضائه وقدره ، غلبت مشيئته المشيئات كلها ، وغلب قضاؤه الحيل كلها يفعل الله ما يشاء وهو غير ظالم أبدا .

--> ( 1 ) لقوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ . ( 2 ) قوله : عن معصية الله تعالى هو ما أشرنا له من قبل ، وهي إضافة المعصية إلى الله ، وقد نفى المؤلف هذه الإضافة على الانفراد من قبل وهاهنا قد أضافها دون قصد وقد علقنا على ذلك سابقا .