التفتازاني
300
شرح المقاصد
يقال لا نسلّم أنه لو آمن لزم انقلاب العلم جهلا ، بل لزم أن يكون العلم المتعلق به من الأزل ، أنه يموت مؤمنا ، فإن العلم تابع للمعلوم ، فيكون هذا تقدير علم مكان علم لا تغيير علم إلى جهل كما إذا قدرت الآتي بالقبيح آتيا بالحسن ، فإنه يكون من أول الأمر مستحقا للمدح لا منقلبا من استحقاق الذم إلى استحقاق المدح ، لأنا نقول الكلام فيمن تحقق العلم بأنه يموت كافرا ، فعلى تقدير الإيمان يكون الانقلاب ضروريا ، وكذا الكلام فيمن أخبر اللّه تعالى بأنه لا يؤمن كأبي جهل « 1 » ، وأبي لهب وأضرابهما ، وقد عرفت أن هذا « 2 » ليس من المتنازع ، فلا يكون الدليل على هذا التقرير واردا على محل النزاع وأما على تقرير كثير من المحققين ، فيدل على أن التكليف بالممتنع لذاته كجمع النقيضين جائز بل واقع . قال إمام الحرمين في الإرشاد « 3 » . فإن قيل : ما جوزتموه عقلا من تكليف المحال ، هل اتفق وقوعه شرعا . ؟ قلنا : قال شيخنا ذلك واقع شرعا فإن الرب تعالى أمر أبا جهل بأن يصدقه ويؤمن به في جميع ما يخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن فقد أمره أن يصدقه بأنه لا يصدقه ، وذلك جمع بين النقيضين . وكذا ذكر الإمام الرازي في المطالب العالية « 4 » وقال أيضا ، أن الأمر بتحصيل الإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان أمر يجمع الوجود والعدم ، لأن وجود الإيمان يستحيل أن يحصل مع العلم بعدم الإيمان ضرورة أن العلم يقتضي المطابقة ، وذلك بحصول عدم الإيمان ، وأجاب بعضهم بأن ما ذكر لا يدل على أن المكلف به هو الجمع ، بل تحصيل الإيمان ، وهو ممكن في نفسه مقدور للعبد بحسب أصله ، وإن امتنع لسابق علم أو إخبار للرسول بأنه لا يؤمن فيكون مما هو جائز بل واقع بالاتفاق
--> ( 1 ) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميّ القرشيّ أشد الناس عداوة للنبي في صدر الإسلام ، وأحد دهاة قريش في الجاهلية قال صاحب عيون الأخبار : سودت قريش أبا جهل ولم يطر شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول ، أدرك الإسلام وكان يقال له ( أبو الحكم ) فدعاه المسلمون ( أبا جهل ) قتل في معركة بدر عام 2 ه . راجع السيرة الحلبية 2 : 23 ودائرة المعارف الاسلامية 1 : 322 وإمتاع الإسماع 1 : 18 ( 2 ) في ( أ ) بزيادة لفظ ( هذا ) . ( 3 ) سبق التعريف بهذا الكتاب . ( 4 ) سبق التعريف بهذا الكتاب .