التفتازاني

23

شرح المقاصد

ثم افترقت الفلاسفة القائلون بلا تناهي الانقسامات فرقتين ، منهم من جعل قبول الانقسام مفتقرا إلى الهيولي ، ومنهم من منع ذلك ، وأما ما نسب إلى النجار ، وضرار « 1 » ، من المعتزلة ، من أن الجسم مؤلف من محض الأعراض ، من الألوان ، والطعوم ، والروائح ، وغير ذلك ، فضروري البطلان . والذي يعتبر به من المذاهب في حقيقة الجسم ثلاثة : الأول : للمتكلمين أنه من الجواهر الفردة ، المتناهية العدد . الثاني : للمشاءين من الفلاسفة ، أنه مركب من الهيولي والصورة . الثالث : للاشراقيين منهم أنه في نفسه بسيط كما هو عند الحس ليس فيه تعدد أجزاء أصلا ، وإنما يقبل الانقسام بذاته ، ولا ينتهي إلى حد لا يبقى له قبول الانقسام ، كما هو شأن مقدورات اللّه تعالى . وكأنه وقع اتفاق الفرق على ثبوت مادة يتوارد عليها الصور والأعراض ، إلا أنها عند الاشراقيين « 2 » نفس الجسم ، يسمى من حيث قبول المقادير مادة وهيولى ، والمقادير من حيث الحلول فيه صورا ، وعند

--> ( 1 ) هو ضرار بن عمرو القاضي معتزلي جلد له مقالات خبيثة . قال يمكن أن يكون جميع من يظهر الاسلام كفارا في الباطن لجواز ذاك على كل فرد منهم في نفسه . قال المروزي ، قال أحمد بن حنبل . شهدت على ضرار عند سعيد بن عبد الرحمن الجمحي القاضي فأمر بضرب عنقه فهرب وقيل : إن يحيى بن خالد البرمكي أخفاه . قال ابن حزم كان ضرار ينكر عذاب القبر . ذكره العقيلي في الضعفاء ، وذكره ابن النديم في الفهرست وذكر له ثلاثين كتابا فيها الرد على المعتزلة والخوارج والروافض ، ولكنه كان معتزليا له مقالات ينفرد بها وقال ابن حزم خالف المعتزلة في خلق الافعال وفي القدرة وكان يقول إن الأجسام انما هي اعراض مجتمعة . راجع لسان الميزان ج 3 ص 203 ( 2 ) الاشراق في اللغة : الإضاءة والإنارة ، يقال : أشرقت الشمس طلعت وأضاءت ، وأشرق وجهه أي أضاء . والاشراق في اصطلاح الحكماء هو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها على الأنفس الكاملة عند التجرد عن المواد الجسمية ( راجع حكمة الاشراق ، طبعة كورين طهران 1952 ص 298 ) وتختلف حكمة الاشراق عند الفلسفة الأرسطية بأنها مبنية على الذوق والكشف والحدس ، في حين أن الفلسفة الارسطية مبنية على الاستدلال والعقل واكتساب النفس للمعرفة في فلسفة ابن سينا لا يتم بالاحساس ولا بالخيال ولا بالوهم ، بل يتم بالعقل ، وأعلى درجات العقل الإنساني العقل المستفاد الذي يتلقى الاشراق من العقل الفعال . راجع كتاب الشفاء لابن سينا ص 356