التفتازاني

61

شرح المقاصد

وسيستمر ذلك معهم إلى يوم يبعثون ، وصدق ربي في قوله :

--> د - الجدل في حق القرآن : قال بشر ( مستدلا على خلق القرآن ) : قال اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا . قال عبد العزيز : أي شيء في هذا من الحجة والدليل على خلقه ؟ فقال بشر : هل في الخلق أحد يشك في هذا ، أو يخالف عليه ، إن معنى جعلناه خلقناه قال عبد العزيز : يا أمير المؤمنين ، إن القرآن نزل بلسانك ولسان قومك ، وأنت أعلم أهل الأرض بلغة قومك ، ولغة العرب كلها ، ومعاني كلامها ، وبشر رجل من أبناء العجم ، يتأمل كتاب اللّه تعالى ، على غير ما أنزل اللّه ، وغير ما عناه اللّه عز وجل ، ويحرفه عن مواضعه ، ويبدل معانيه ، ويقول ما تنكره العرب ، وكلامها ولغاتها ، وأنت أعلم خلق اللّه بذلك ، وإنما يكفر بشر الناس ، ويستبيح دماءهم بتأويل ، لا بتنزيل . قال بشر : « جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا » يروغ عبد العزيز إلى الكلام والخطب والاستعانة بأمير المؤمنين ، لينقطع المجلس ، قد أتيتك بما لا تقدر على رده ، ولا دليلي فيه لينقطع المجلس بثبات الحجة عليك ، وإيجاب العقوبة لك ، فإن كان عندك شيء ، فتكلم به وإلا فقد قطع اللّه مقالتك ، وأدحض حجتك . قال عبد العزيز : يا بشر أخبرني عن جعل هذا الحرف بحكم لا يحتمل غير الخلق . قال بشر لا ، وما بين جعل وخلق عندي فرق ، ولا عند غيري من سائر الناس من العرب والعجم ، ولا يعرف الناس إلا هذا . قال عبد العزيز : أخبرني عن نفسك ، ودع ذكر العرب وسائر الناس ، فأنا من الناس ، ومن الخلق ، ومن العرب وأنا أخالفك على هذا ، وكذلك سائر العرب يخالفونك . قال بشر : هذه دعوى منك على العرب ، وكل العرب ، والعجم يقولون ما قلت أنا ؟ ولم يخالف في هذا غيرك . قال عبد العزيز : أخبرني يا بشر . إجماع العرب والعجم بزعمك أن جعل وخلق واحد ، لا فرق بينهما هذا الحرف وحده ، أو في سائر ما في القرآن من ( جعل ) . قال بشر : بل ما في سائر القرآن من ( جعل ) وسائر ما في الكلام والأخبار والأشعار قال عبد العزيز : قد حفظ عليك أمير المؤمنين ما قلت ، وشهد به عليك . قال بشر : أنا أعيد عليك هذا القول متى شئت . ولا أرجع عنه ولا أخالفه قال عبد العزيز لبشر : زعمت أن معنى جعلناه قرآنا عربيا . خلقناه قرآنا عربيا . قال : نعم هكذا . قال عبد العزيز : قال اللّه عز وجل وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا فيكون المعنى : خلقتكم اللّه عليكم كفيلا ، لا معنى له عند بشر غير هذا ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على اللّه عز وجل وكفر به ، وحل دمه بإجماع الأمة . وقال اللّه عز وجل : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ فزعم بشر ولا تجعلوا اللّه . ولا تخلقوا اللّه لا معنى له عنده غير ذلك . وكل من قال هذا من الخلق ، فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة لأنه حكى أن اللّه أخبر بمثل هذا ، وقال اللّه عز وجل : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ فزعم بشر أن معنى ويجعلون للّه البنات . يخلقون للّه البنات . لا معنى لذلك غير هذا .