ابن قيم الجوزية

9

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وإذا صح الخبر بموته عليه السلام فهل جاء ما يفيد أن اللّه يبعثه لنا في القبر قبل يوم القيامة ؟ لم يرد ذلك في كتاب ولا سنة ، مع أنه يقتضي محالا ، وهو أن يكون للرسل عليهم الصلاة والسلام ثلاث موتات ولغيرهم من الناس موتتان اثنتان ، لأنه عند النفخ في الصور النفخة الأولى لا يبقى أحد ممن هو على ظهر الأرض حيا ، كما قال تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] وحينئذ يقال لكم : هل يموت الرسل عند تلك النفخة مع من يموت ؟ أم يبقون أحياء ؟ أم لكم في هذه المسألة قولان ؟ أجيبوا بعلم ان كنتم صادقين ، وتكلموا بالدليل والبرهان لا بالظن والتخمين ، فان مناظريكم من ذوي العقول التي لا يروج عندها ادعاء المكابرين ولا سفسطة المشاغبين . هذا وقد كان السلف رضي اللّه عنهم ينهون عن رفع الأصوات حول قبره الشريف ، ويقولون لمن يفعل ذلك ان اللّه قد أمرنا بغض الصوت عند رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فهلا قالوا لهم بدلا من ذلك ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حي فغضوا أصواتكم عنده ؟ لكن حاشا لهم أن يقولوا ذلك ، فإنهم أعلم باللّه وبرسوله وبحقائق الايمان من أولئك الأدعياء الجاهلين الذين يهرفون بما لا يعرفون ، ويقولون على اللّه وعلى رسوله ما لا يعلمون . ولقد كان الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي اللّه عنهم يستسقون بالعباس عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا نزل بهم قحط واحتبس عنهم المطر ، وقد استسقى به عمر رضي اللّه عنه عام الرمادة وقال وهو يقدمه ( اللهم انا كنا إذا أجدبنا توسلنا أليك بنبينا في حياته فتسقينا ، ونحن نتوسل أليك الآن بعم نبينا فاسقنا ) فلو كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيا في قبره كما زعمتم وليس بينهم وبينه الا جدار القبر وحجرة زوجه عائشة رضي اللّه عنها ، فكيف يليق بهم وهم أكمل هذه الأمة علما وايمانا أن يعدلوا إلى الاستسقاء بغير رسول اللّه أيا كان وهو حي بينهم يملك الدعاء ويقدر على الكلام باللسان ، أن هذا الا محض افتراء وبهتان .