ابن قيم الجوزية

87

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

الحياء والستر من عباده ، فمن ستر مسلما ستر اللّه عليه في الدنيا والآخرة ، ويكره المجاهرة بالفسوق والإعلان بالفاحشة ، وأن من أمقت الناس عنده من بات على معصية واللّه يستره ، ثم يصبح فيكشف ستر اللّه عليه . وقد توعد الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا بأن لهم عذابا أليما في الدنيا والآخرة ، وفي الحديث « كل أمتي معافى إلا المجاهرين » . وهو الحليم فلا يعاجل عبده * بعقوبة ليتوب من عصيان وهو العفو فعفوه وسع الورى * لولاه غار الأرض بالسكان الشرح : ومن أسمائه سبحانه ( الحليم والعفو ) فالحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة رجاء ان يتوبوا ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم ، فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة ، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم كما قال تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً [ فاطر : 45 ] . وأما العفو فهو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب ، ولا سيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان والأعمال الصالحة ، فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، وهو عفو يحب العفو ويحب من عباده ان يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه من السعي في مرضاته والإحسان إلى خلقه ، ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له جميع جرمه ، كما قال تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : 53 ] . ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سبحانه لغارت الأرض بأهلها لكثرة ما