ابن قيم الجوزية
85
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه ، فأي حكمة أجل من هذا ؟ وأي فضل وكرم أعظم من هذا ؟ فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له ، وإخلاص العمل له وحمده وشكره والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق ، وأجل الفضائل لمن يمن اللّه عليه بها وأكمل سعادة وسرور للقلوب والأرواح ، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية والنعيم الدائم فلو لم يكن في شرعه وأمره هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات وأكمل اللذات ، ولأجلها خلقت الخليقة وحق الجزاء ، وخلقت الجنة والنار لكانت كافية شافية . هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير ، فأخباره تملأ القلوب علما ويقينا وإيمانا وعقائد صحيحة ، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها ، وتثمر كل خلق جميل ، وعمل صالح وهدى ورشد ، وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا ، فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مضرته خالصة أو راجحة . ومن حكمة الشرع الإسلامي أنه كما أنه الغاية لصلاح القلوب والأخلاق والأعمال والاستقامة على الصراط المستقيم ، فهو الغاية لصلاح الدنيا ، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحا حقيقيا إلا بالدين الحق الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا مشاهد محسوس لكل عاقل ، فإن أمة محمد لمّا كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع ما يهدي ويرشد إليه كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح . ولما انحرفوا عنه وتركوا كثيرا من هداه ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم . وكذلك أنظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة والحضارة والمدنية مبلغا هائلا ، لكن لما كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله كان ضررها أعظم من نفعها ، وشرها أكبر من خيرها ، وعجز علماؤها وحكماؤها وساستها عن تلافي الشرور الناشئة عنها ، ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالهم ولهذا كان من حكمته تعالى أن ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه