ابن قيم الجوزية

64

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

يقوم على اثبات كل صفة اللّه وردت في الكتب الإلهية أو جاءت على السنة الرسل عليهم الصلاة والسلام . فمن توحيد الأنبياء والمرسلين أنهم يثبتون أوصاف الكمال كلها للّه عز وجل لا ينفون منها شيئا ولا يعطلون ربهم عن شيء من صفات كماله ، بل يؤمنون بها كلها ويتعرفون معناها ويتعبدون للّه تعالى بعلمها واعتقادها ، ويعملون بما تقتضيه كل صفة من الأحوال القلبية والمعارف الإلهية . فأوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال تملأ قلوبهم هيبة للّه وتعظيما له وتقديسا ، وأوصاف العز والقهر والقدرة والجبروت تملأها ذلا وانكسارا وخضوعا بين يدي الرب جل شأنه ، وخوفا من بطشه وعذابه . وأوصاف الرحمة والبر والجود والكرم تملأها أملا واستبشارا وطمعا في فضله واحسانه وجوده وامتنانه . وأوصاف العلم والخبرة والإحاطة والشهود توجب للعبد مراقبة ربه في جميع حركاته وسكناته ، والاستحياء منه أن يراه حيث نهاه ، أو يفقده حيث أمره ، وأوصاف الجمال والقرب والود والاكرام تملأ القلوب محبة للّه وشوقا إليه . وهكذا كل من تحقق بمعاني أسمائه سبحانه ووعاها بقلبه ووجدانه ، فإنه يجد لها من التأثيرات المختلفة على قلبه وروحه ما يصير به كأنه في روضة من الجنة ، ويحق له أن يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام « ان للّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة » . كعلوه سبحانه فوق السماوات * العلى بل فوق كل مكان فهو العلي بذاته سبحانه * إذ يستحيل خلاف ذا ببيان وهو الذي حقا على العرش استو * ى قد قام بالتدبير للأكوان الشرح : فمما يثبته الرسل والأنبياء لربهم من صفات كماله علوه على جميع