ابن قيم الجوزية
65
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
مخلوقاته ومباينته لها ، وهذا أمر تشهد له العقول والفطرة التي لم يفسدها التقليد الأعمى والعصبية لمذاهب الشيوخ والرؤساء . فضلا عما ورد من النصوص الكثيرة القاطعة التي لا يملك المبطلون لها إنكارا ولا تأويلا ، وقد أشبع المصنف رحمه اللّه الكلام في هذا الباب في الفصول السابقة من منظومته ، وأثبت صفة العلو من واحد وعشرين وجها ، وذكر تضافر العقل والنقل والفطرة على ذلك ، فليرجع إليها من يريد زيادة اطمئنان لقلبه . وأعلم أن الثابت للّه عز وجل من تلك الصفة هو العلو المطلق الذي يشمل علو الذات وعلو القهر وعلو القدر ، وإنما نص على علو الذات لوقوع النزاع فيه ، وقال يستحيل أن يكون خلاف ذلك ، أي أن لا يكون سبحانه عاليا على جميع خلقه ، فإنه لو لم يكن فوق المخلوقات مباينا لها لكان إما عينها كما يقوله أصحاب الوحدة ، أو حالا فيها كما يقوله الحلولية ، وكل منهما باطل بالضرورة فتعين علوه عليها ومباينته لها . وأما استواؤه سبحانه على عرشه العظيم فيستفاد من النقل ( الكتاب والسنة ) قال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ذكر ذلك في سبعة مواضع من القرآن العظيم . وأعلم أن استواءه تعالى على العرش إنما هو على الكيفية التي يعلمها مما يليق بعظمته وجلاله . وهكذا يقال في جميع ما أخبر اللّه به عن نفسه ، نؤمن بها كما جاءت دون أن نبحث عن كنهها أو عن كيفية قيامها به مع اعتقاد تنزيهه عن مماثلة المخلوقين . حي مريد قادر متكلم * ذو رحمة وإرادة وحنان هو أول هو آخر هو ظاهر * هو باطن هي أربع بوزان ما قبله شيء كذا ما بعده * شيء تعالى اللّه ذو السلطان ما فوقه شيء كذا ما دونه * شيء وذا تفسير ذي البرهان فانظر إلى تفسيره بتدبر * وتبصر وتعقل لمعان