ابن قيم الجوزية
61
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وكذاك ظلم عباده وهو الغنى * فما له والظلم للانسان وكذاك غفلته تعالى وهو علا * م الغيوب فظاهر البطلان وكذاك النسيان جل الهنا * لا يعتريه قط من نسيان وكذاك حاجته إلى طعم ورز * ق وهو رازق بلا حسبان الشرح : ومما يجب أن ينزه اللّه عنه أن يقع منه ظلم لعباده بزيادة في سيئاتهم أو نقص من حسناتهم أو عقوبتهم على ما لم يفعلوا من الذنوب أو أخذ أحد منهم بجريرة غيره إلى غير ذلك من صور الظلم التي حرمها سبحانه على نفسه ، فان الظلم لا يفعله الا من هو محتاج إليه لعجزه وفقره أو من كان الجور وصفا له ، واللّه سبحانه هو الغنى عن خلقه من كل وجه ، وهو الموصوف بكمال الحكمة والعدل فما له إذا ولظلم العباد ، قال تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] وقال إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [ النساء : 4 ] وقال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 29 ] . وكذلك ينزه عن الغفلة التي هي الذهول عن الشيء وعن النسيان الذي هو ضد الذكر لان علمه محيط بالأشياء كلها من غيب أو شهادة ، فلا يطرأ عليه ما يطرأ على علوم المخلوقين من ذهول أو نسيان ، كما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام في خطابه لفرعون حين قال له فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] . وكذلك ينزه سبحانه عن احتياجه إلى الطعام والرزق ، فإنه هو الرازق لجميع الخلق يوصل إليهم أقواتهم ويطعمهم ويسقيهم مع غناه عنهم قال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 55 ، 58 ] . وقال قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] .