ابن قيم الجوزية
62
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
هذا وثاني نوعي السلب الذي * هو أول الأنواع في الأوزان تنزيه أوصاف الكمال له عن التش * بيه والتمثيل والنكران لسنا نشبه وصفه بصفاتنا * ان المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه * ان المعطل عابد البهتان من مثل اللّه العظيم بخلقه * فهو النسيب لمشرك نصراني أو عطل الرحمن من أوصافه * فهو الكفور وليس ذا ايمان الشرح : بعد ان فرغ المؤلف من بيان النوع الأول من أنواع السلب الذي هو سلب النقائص والعيوب عن اللّه عز وجل وقسمه إلى متصل ومنفصل شرع في بيان النوع الثاني من هذا السلب ، الذي هو أول أنواع التوحيد القولي في هذه القصيدة . وهذا النوع يقوم على تنزيه أوصاف الكمال الثابتة له سبحانه عن مماثلة صفات المخلوقين لها ، فلا يقال علمه كعلمهم ولا قدرته كقدرتهم ولا رحمته كرحمتهم ونحو ذلك ، فمن شبه صفات اللّه بصفات خلقه لم يكن عابدا للّه في الحقيقة ، وانما يعبد وحدثنا صوره له خياله ونحته فكره ، فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن ، فهو نسيب ، أي مشابه ومشاكل لهؤلاء النصارى الذين عبدوا المسيح ابن مريم وجعلوه إلههم . وأما رب العالمين فهو فوق ما يظنون وأعلى مما يتوهمون ، فإنه كما أن ذاته لا تشبهها ذوات المخلوقين فصفاته لا تشبهها صفاتهم . وكذلك يقوم هذا النوع على عدم التعطيل والجحد لصفات الكمال كما فعلت ذلك الجهمية ومن تبعهم من المتكلمين ، فان من نفى ما وصف اللّه به نفسه أو وصفه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه في الحقيقة لا يعبد شيئا موجودا ، وانما يعبد عدما مفقودا ، لما توهم أن ظاهر النصوص يدل على التشبيه أخذ ينفيها بوهمه الفاسد . فآل به النفي للصفات إلى نفى حقيقة الذات إذ لا يعقل وجود ذات في الخارج مجردة عن الصفات ، فصار قلبه متعبدا للعدم المحض . وهذا كفر بآيات اللّه