ابن قيم الجوزية

22

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

واللّه لا الرحمن أثبتم ولا * أرواحكم يا مدعي العرفان عطلتم الأبدان من أرواحها * والعرش عطلتم من الرحمن الشرح : بعد أن ذكر المؤلف رحمه اللّه بعض ما تضمنته هذه الآثار من شؤون الروح وأحوالها ، قال إن هذا هو نهاية ما بلغته مدارك البشر في هذا المقام الخطر والأمر الجليل . ولكن الحق الكامل فيه لا تطيق حمله عقول بني العصر لغلظ أذهانهم وشدة جهلهم بأحكام الروح وصفاتها لقوة الألف بالأبدان والتعلق بالمحسوسات . فيجب أن نقنع منهم بهذا الذي رضيه اللّه لهم من يسير العلم بهذه الشؤون حيث أجاب سبحانه السائلين عن الروح بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] وتلك حكمته سبحانه أن لا يخاطب عباده إلا بمقدار ما تحتمله عقولهم . وليس في عقول الناس أن الروح إذا كانت في الرفيق الأعلى مقيمة في روضات الجنات ترد إلى البدن لرد السلام كلما سلم عليه أحد من أمته في جميع الأوقات . وليس في العقول كذلك أننا إذا زرنا القبور مسلمين على من بها من إخواننا وأقاربنا ترد إليهم أرواحهم لرد السلام علينا ، وإن كنا لا نسمع ذلك بآذاننا . مع وجود أرواحهم في حواصل الطير الخضر تسرح في بحبوحة الجنان . فمن لا يحمل عقله مثل هذه المعاني فيجب أن نعذره ولا نكلفه ما لا يطيقه من ذلك . فإن للروح نواميسها العجيبة وشؤونها الغريبة التي تخالف قوانين الأجسام فلا تهمل هذه الشؤون التي حار الورى في فهمها ، فلم يعرفه منهم إلا الفرد بعد الفرد في الأزمان المتطاولة . هذا وأن للروح من العجائب والأسرار ما لو أبديته لبادر الجهلاء إلى إنكاره ومقابلته بالعدوان فلهذا كبحت جماح القلم ، ولو وجدت من يفهم ذلك لأطلقت له العنان وجريت في الميدان . وخلاصة القول في الروح أنها مخلوقة وحادثة ، وذلك ثابت بالبراهين القاطعة وليست قديمة كما يقول الفلاسفة المارقون . وأنها كذلك قابلة للحلول في البدن والانفصال عنه وللصعود والنزول ، وليست كما يقول الفلاسفة المارقون . وأنها